إنّ الشارع لم يجعل الطهارة عند ما قام خبر الثقة على أنّك متطهر ومتوضئ،بل الشارع إمّا جعل المعذرية والمنجزية لخبر الثقة؛لأنّه معذور ومنجز عند العقلاء ومعتبر لديهم كما عليه المرحوم الآخوند،حيث صرّح في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بأنَّ دليل الاعتبار في باب الأمارات لا يجعل المدلول فيها حكماً مماثلاً،بل يوجب دليل اعتبار الأمارة جعل المنجزية عند تطابقها مع الواقع،وجعل المعذرية عند مخالفتها للواقع،أو إنّ الشارع لم يجعل المنجزية والمعذرية في باب الأمارات حسب ما سلكناه،بل اعتبرها الشارع على النحو الذي اعتبرها العقلاء،ولنراجع العقلاء ونرى كيف اعتبروا الأمارات؟
وقد ذكرنا مراراً من باب المثال أنَّ ثقة إذا أخبر شخصاً بأنَّ أباك أمرك أن تأتي إلى البيت قبل غروب الشمس والولد أطاعه ورجع إلى البيت ورآه صديقاً في الطريق،وقال له:أين تذهب؟فأجاب:أذهب إلى البيت،وسأله صديقه ثانياً لماذا تذهب إلى البيت؟فقال:إنّ أبي أمرني بذلك،وسأله ثالثاً:كيف علمت وهل سمعت أباك أنّه أمرك بالذهاب إلى البيت قبل غروب الشمس؟فأجاب قائلاً:لا،إنَّ الثقة أخبرني بذلك وقد علمت بما أراده أبي مني لإخبار الثقة به.
هذا العلم، علم اعتباري تحقق بسبب قيام الأمارة واعتبره العقلاء،وتبعهم الشارع في الاعتبار وتترتب على هذا الاعتبار،المنجزية والمعذرية،ولا يجعل الشارع التنجيز والتعذير،كما يجعل الشارع الولاية في حق أحد،ويترتب عليها جواز التصرف؛ولكن لا يجعل الشارع جواز التصرف.
ولذا ذكرنا في باب الاستصحاب أنَّ الاستصحاب ليس على غرار قاعدة الطهارة (كل شيء طاهر أو الماء كله طاهر) لأنّ الشارع اعتبر المكلف الشاك في بقاء الشيء عالماً به ولم يقم بجعل المستصحب فلم يجعل الطهارة عند الشك في بقائها بل اعتبر الشاك فيها عالماً بها،والمستند لنا هو دليل اعتبار الاستصحاب،فاذا كنت متوضئاً متمكناً من الصلاة مع الوضوء،وشككت في بقاء الطهارة وقال الشارع:«لا تنقض اليقين بالشك»،فإنَّ ترك الصلاة حال الشك وإرادة تجديد الوضوء نقض لليقين السابق،ويظهر منه أنَّ اليقين بالطهارة السابقة باقٍ على حاله،وأنَّ الشارع اعتبرني عالماً بالبقاء،وحكم بأنَّ رفع اليد عن اليقين السابق مساوق لنقضه،والحاصل أنَّ الطهارة المستصحبة ليست مجعولة،وكذا النجاسة المستصحبة ليست مجعولة.
ويستنتج مما تقدّم أنَّ الالتزام بالتوسعة والتضييق في متعلّقات الاحكام الواقعية-سواء كانت التوسعة في جانب أصل القيود أم في جانب التقيد-إنما يصح فيما إذا أفاد دليل اعتبار الأصل جعل الشرط أو التوسعة فی التقیید ولا توسعة فیما إذا أفاد دلیل اعتبار الأصل -كما في الامارات-إنّ الشاك في شيء كالعالم به ولا فرق بين العلم وبين الاستصحاب والامارة من هذه الجهة،فإنَّ العلم منجز،وطريق إلى الواقع،ولا يتغيّر الواقع بالعلم،ولا دخل للعلم بالواقع المعلوم بالاصالة،وقس على ذلك الاستصحاب والأمارة.
نعم،يتمُّ الالتزام بالتوسعة في الأمارات القائمة على قيود التكليف،أو قيود الموضوع،بناء على ما سلكه الشيخ الانصاري من أنَّ دليل اعتبار الأمارة يفيد جعل مؤداها ومدلولها من قبل الشارع بنحو الطريقية،وقدانكرنا التوسعة؛لأّن الاحكام الظاهرية طريقية،والاحكام الواقعية نفسية
تقدّم أنَّ المجعول المؤسَس من قبل الشارع هو الحكم الواقعي،وللطريق إلى الحكم الواقعي اعتبار ملحوظ من قبل العقلاء لاراءة الواقع،والواقع لا يتغيّر بما هو طريق لاراءته كما جعل الشارع الحكم الواقعي الوجوبي للصلاة المقيدة بالوضوء والغسل واعتبر العقلاء قيام الأمارة كخبر الثقة على التوضؤ،والشارع قد أمضى اعتبار العقلاء،وكما لا يتغيّر الواقع بالامارة عند العقلاء كذلك لا يتغيّر الواقع بها عند الشارع.