لم يصرّح بعنوانه؛ولكنّه تصويب في الواقع والتوسعة هي التغيير؛لأنّ التغيير إمّا يتحقق بالتضييق،وإمّا يتحقق بالتوسعة؛لأنّه قال:«إنَّ التكليف المتوجّه إلى الشاك هو الصلاة مع تسعة أجزاء» ويظهر منه تغايرها مع وجوب الصلاة الواجدة لعشرة أجزاء،وهذا هو التصويب المعتزلي القائل بأنَّ الأحكام الواقعيّة تدور مدار آراء المجتهدين وتتبع الأمارات والأصول كما في الرسائل.
ويشهد لعدم التضييق استصحاب الحدث والاتيان بالصلاة رجاءًخاصة إذا كان المصلي إمام الجماعة،وشك أثناء الصلاة في أنّه محدث أم متطهر مع سبق الحدث،وأتى بالصلاة رجاءً مع استصحاب الحدث،وتذكر بعد الفراغ أنّه كان متوضِئاً،فإن صلاته صحيحة؛لأنّ معنى استصحاب الحدث هو عدم جواز الاكتفاء بالصلاة في هذه الحال لامتثال التكليف،والمفروض أنَّ المصلي أتى بالصلاة بقصد الرجاء،ونوى إعادة الصلاة إذا تذكّر أنّه كان محدثاً،وقد تحقق المأمور به الواقعي إذا تذكّر أنه كان متوضئاً،واستصحاب الحدث لا يوجب التضييق في متعلّق التكليف.
وكما لا يوجب استصحاب الحدث التضييق كذلك لا يوجب استصحاب الطهارة التوسعة؛لأنّ الشارع قال:(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ) واعتبر الوضوء الواقعي،وهو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين في الصلاة،سواء اُحرز الغَسل بالحدوث،أم بالبقاء المعبّر عنه ببقاء الطهارة،ومن استصحب الطهارة وكان محدثاً في علم الله فَقَد شرط الصلاة؛ولكن خطاب «لا تنقض اليقين بالشك» يقتضي عدم ترتب العقاب على من صلّى بالطهارة الاستصحابية،و وقعت صلاته في حال الحدث فيكون معذوراً،وهذا نظير قاعدة الفراغ فإنَّ من فرغ من الصلاة وشك أنّه أتى بالركوع في الركعة الاُولى أم لا،وجب عليه التدارك بالإعادة إذا تذكر أنّه لم يأتِ بالركوع؛لأنّ الركوع ركن ومقوم في باب الصلاة،ولا يتحقّق المأمور به الواقعي عند ترك الركوع؛ولكن التارك للركوع في الواقع معذور ما لم ينكشف الخلاف ولا يلزم اللغو من الاكتفاء بهذه الصلاة الباطلة في الواقع؛لأنّ اللغوية إنّما تعرض إمّا من باب المثوبة بحسب يوم القيامة،والمفروض أنّه معذور،وإمّا من الجانب الدنيوي،والمفروض أنَّ الشارع جعل الحكم الظاهري لتسهيل الأمر،والملاك في التسهيل هو الغالب فلا يوجد ملاك التسهيل لدى من تيسّر له الاحتياط والتوضؤ بماء دافئ مثلاً عند الشك في الطهارة والنجاسة،وانّما يراد بالتسهيل التسهيل النوعي،كما عليه الشيخ مرتضى الانصاري وغيره من الأعيان.
ومن هنا ظهر أنَّ الشارع إذا قال:«يطهر المتنجس إذا غسل بماء طاهر»أراد به طهارة المتنجس بماء طاهر بما هو طاهر،ولا يطهر الثوب المتنجس إذا غسل بماء مشكوك الطهارة والنجاسة ثمّ انكشف أنّه كان نجساً؛لأنّ طهارته طهارة طريقية،والثوب المتنجّس تم غسله بماء مشكوك الطهارة،والشارع لم يجعله مطهّراً،بل جعل الماء الطاهر بما هو طاهر مطهراً،وطهارة الماء المشكوك طهارة عذرية مادام الشك باقياً بمعنى انّ المكلّف معذور إذا ترتب آثار الطاهر الواقعي على المغسول وانكشف ابتلاؤه بالنجس؛لأنّ الحكم بالطهارة ظاهري ولا نفسية له،والسر في ذلك أنَّ متعلّق الاحكام الظاهرية لا يشتمل على ملاك سوى ملاك الواقع.
إنّ الواجد للملاك هو الصلاة مع الوضوء والصلاة مع الطهارة من الحدث،ولا تشتمل الصلاة حال الشك في الحدث أو الطهارة على ملاك آخر،فاذا كنت طاهراً تحقق الملاك الواقعي،وإذا لم تكن طاهراً لم يتحقق الملاك الواقعي،ولو اشتمل الحكم الظاهري على ملاك مماثل للملاك الواقعي لتغير الحكم الواقعي،وهذا هو التصويب،وان لم يُصرَّح بهذا العنوان؛لأنّ الأحكام الواقعية تدور مدار الملاكات.
هذه الحكومة،ليست حكومة واقعية يا عزيزي.
ان الحكومة الواقعية تتحقق فيما إذا قال الشارع:«الفقاع خمر» مثلاً فإنَّ شرب الخمر يشتمل على ملاك المفسدة،والشارع رأى أنَّ ذلك الملاك موجود في شرب الفقاع بتمام مراتبه،أو بمرتبة ملزمة له،وقول الشارع:«الفقاع خمر» يوجب التوسعة في الحرمة الواقعية،وهذه الحكومة حكومة واقعية بمعنى أنَّ خطاب «الفقاع خمر» حاكم على خطاب حرمة شرب الخمر،ويوجب التوسعة فيه،ولا حكومة في الأحكام الظاهرية؛لأنّ الطهارة الظاهرية طهارة طريقية،والمأخوذ قيداً في متعلّق الصلاة هو الطهارة النفسية،ولا تسانخها الطهارة الطريقية حتى توجب التوسعة فيها،وملاك الطهارة الطريقية كامن في نفس جعل الطهارة،وليس في متعلّق الحكم الظاهري ملاك موجب للتوسعة في الحكم الواقعي،بل الحكم الواقعي باقٍ على حاله،والمكلف معذور على مخالفته ما لم ينكشف الخلاف.