وذهب البعض ومنهم المرحوم الكمپاني إلى انتفاء التوسعة في الطهارة.بيان ذلك:أنَّ الطاهر هو الطاهر الواقعي،والنجس هو النجس الواقعي،وليس للطاهر شقّان وليس للنجس شقان،والشارع يقدم على التوسعة في شرطية الطهارة الواقعية،كما أنَّ الشارع أمر بالصلاة في الثوب الطاهر،وشرطية طهارة الثوب تستفاد من هذا الأمر التكليفي؛إذ تنتزع الشرطية والجزئية والمانعية للمأمور به من الحكم التكلیفی وقد اتفق على ذلك الشیعة والسنة؛وذلك لأنَّ الشرطیة والجزئیة والمانعیة بنفسها ليست قابلة للجعل،بل إنها مجعولة بتبع التكليف،و لو جعل الشارع التكليف للصلاة في الثوب الطاهر الواقعي لاختصت الشرطية بالطهارة الواقعية،وإذا جعل الشارع الأمر للصلاة في الثوب الطاهر والثوب المشكوكة طهارته ونجاسته بحيث دخل الثوب المشكوك في القيد عمّت الشرطية مشكوك الطهارة والنجاسة وثبتت كفايته.
ويظهر من بعض الكلمات للاُصوليين ومنهم المرحوم الكمپاني أنَّ التوسعة في الاُصول انما تتم في الشرطية إلّا أنَّ لسان الدليل يقول:«كلُّ شيء طاهر» كما أنَّ لسان الدليل في الفقاع يقول:«الفقاع خمر»و من الواضح أنَّ الفقاع ليس بخمر؛ولكن الشارع في الحقيقة يقدم على التوسعة في الحرمة التي جعلها للخمر وهي الحكم،ولا توسعة في الخمر حقيقة،وإنما اللسان ظاهر في التوسعة في الموضوع،والمقام من هذا القبيل؛لأنَّ الشارع أمر بالصلاة في الثوب الطاهر،والطهارة هي الطهارة الواقعية إلّا أنَّ الشارع أقدم على التوسعة في التكليف المجعول للمتعلق الذي تنتزع منه الشرطية ليشمل التكليف الصلاة في الثوب المشكوكة طهارته ونجاسته،وهذه توسعة في الشرطية لا في نفس الطهارة،وان كان لسان «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» مفيداً للتوسعة في نفس الشرط؛ولكن هذا مجرد لسان،وظاهر الكلام والشارع يقدم على التوسعة في الشرطية حقيقة لتعم الشرطية الثوب المشكوك أيضاً؛ولذا فإن صلّيت في هذا الثوب،فقد أتيت بالمأمور به الواقعي،و إذا انكشف أنّك صلّيت في الثوب النجس لمدة سنتين مثلاً فلا تصحّ الصلاة فيه من حين كشف الخلاف؛و لكن التوسعة تقتضي شمول متعلّق التكليف لهذا الثوب وتحقق امتثال التكليف ما لم ينكشف الخلاف.
لماذا تقسّموا إلى طائفتين،و التزمت طائفة بأنَّ التوسعة إنما تتم في نفس الشرط و هو الطهاره،والتزمت طائفة بأنَّ التوسعة إنما تتم في الشرطية لا في نفس الشرط؟
لأنّ في المقام محذوراً التفتت اليها كلتا الطائفتين،وذهبت الطائفة الثانية إلى الالتزام بالتوسعة في الشرطية،والاعراض عن الالتزام بالتوسعة في نفس الطهارة المجعولة؛لما في هذا المسلك من بقاء المحذور من دون حل.
ما هو المحذور؟
لو غسل المكلف ثوبه بماء البحر مثلاً،وتيقن بطهارته ثم نقعه في ماء مشكوك الطهارة والنجاسة،وكان الماء في علم الله نجساً،وقلنا بالتوسعة في نفس الطهارة،وجعل الشارع الطهارة للماء المشكوكة طهارته ونجاسته للزم علينا الالتزام بعدم تنجس الثوب المسبوق بالطهارة يقينا و إن انكشف الخلاف وتبين أنَّ الإناء كان نجساً أو ظهر أنَّ الطفل كان قد بال في هذا الماء القليل المصيب للثوب.هذا هو المحذور.لماذا؟
لأنا نتساءل:ما هو موضوع تنجس الطاهر؟حتى یتنجّس الشیء الطاهر؟
إنَّ موضوع التنجس هو ملاقاة الشیء الطاهر للشيء للشیء النجس الواجد للرطوبة المسرية؛إذ لا يحصل التنجس الّا إذا كانت للملاقي أو للملاقى «بالفتح»رطوبة مسرية،والمفروض أنَّ الثوب لاقى الماء المشكوك،وقد جعل الشارع له الطهارة بمعنى أنَّ الملاقاة حصلت للمانع الطاهر،وبعد الملاقاة وضعنا الثوب جانباً وأهرقنا الماء وجف الثوب وزالت الرطوبة،وعلمنا أنَّ الاناء كان نجساً،وعندئذٍ ما هو الدليل على الالتزام بنجاسة الثوب؟لأنّ الثوب لاقی الطاهر و لم يلاقِ نجساً،وبعبارة اُخرى إنَّ الشارع أقدم بقوله «كل شيء طاهر» على تضييق دائرة «كل شيء طاهر إذا لاقى نجساً مع الرطوبة المسرية تنجس» وخص النجاسة بالنجاسة فيما إذا لم تكن هناك طهارة ظاهرية؛لأنّ الحكومة توجب التضييق كما توجب التعميم،والقيد في الدليل القائل بأنَّ «كل شيء لاقى نجساً مع الرطوبة المسرية يتنجس» هو ملاقاة الشيء النجس،ولمّا قال الشارع:«هذاطاهر» أقدم على غربلة القيد بجعل الطهارة،وصار موضوع التنجس هو الشيء الطاهر الملاقي للشيء الفاقد للطهارة الظاهرية أي الملاقي للنجس الواقعي،والمفروض أنَّ الثوب في المقام لاقى الشيء الواجد للطهارة الظاهرية فيكون الثوب طاهراً وإن انكشف الخلاف.
هذا هو المحذور في جعل الطهارة نفسها.
و أمّا اذا التزمان بأنَّ الشارع لم يجعل الطهارة للماء،و أنَّ الماء نجس على تقدير نجاسته،وطاهر على تقدير طهارته،وأنَّ الشارع أقدم على تعميم شرطية الطهارة الواقعية للثوب والبدن في خطاب «صل مع الطهارة» الشامل لطهاره الثوب والبدن فنحكم بإجزاء الصلاة بعد العلم بنجاسة الثوب أو البدن وفقاً لهذا المسلك؛ولكن نقول في هذا المثال إنَّ العباء نجس إذ كان نجساً و لم يجعل الشارع الطهارة له؛ولذا التزم جماعة بالتوسعة في شرطية الطهارة،لا في نفس الطهارة احترازاً عن الشبهه المتقدمة.