ان «كل شيء طاهر» أو «كل شيء حلال» يكون حاكماً على الخطاب الذي تعلّق التكليف فيه بالفعل المقيد بطهارة الشيء أو بحلية الشيء،وكأنّ الوجوب يتعلق بالفعل المقيد بالقيد الذي يختص بالوجود الواقعي للثوب الطاهر ابتداء،أو يختص بالجزء الواقعي لمأكول اللحم من الحيوان أوّلاً:ولكن بعد طرو الشك في طهارة الثوب أو نجاسته وطرو الشك في حلية الحيوان المذبوح أو حرمته يجري «كل شيء لك طاهر» أو «كل شيء لك حلال» ويوجب التوسعة في المتعلّق المقيد بطهارة الثوب وحلية الثوب وطهارة البدن؛ولذا يمتثل المأمور به بالصلاة في هذا الثوب الطاهر بالاصل،وهذا بخلاف الأمارات فإذا قامت الأمارة على أنَّ هذا الجزء جزء لمأكول اللحم،وانكشف الخلاف بعد الفراغ عن الصلاة وجبت الاعادة مع قطع النظر عن النص الخاص في باب الصلاة،بمعنى أنه لو كنّا نحن ودليل الامارة ودليل الأصل لقلنا بالتدارك في باب الأمارات،وعدم التدارك في باب الاُصول.
ما هو السر في الالتزام بالاجزاء في موارد الاُصول وعدم الالتزام بالأجزاء في موارد الأمارات،وإن بنينا على أنَّ دليل اعتبار الامارة يوجب جعل المدلول لها؟
وذكروا في بيان السرّ أنَّ الشك في طهارة الثوب موضوع للحكم بالطهارة الظاهرية،والشك في حلية الشيء موضوع للحكم بالحلية الظاهرية بقرينة ما في ذيل الرواية،حيث قال:كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر و كل شيیءٍ لك حلال حتى تعرف أنه حرام،و لا تغيّا الطهارة الواقعية والحلية الواقعية بالعلم والجهل؛لأنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع ذاك الحكم محال،أي تقييد الحكم-وهو الطهارة الواقعية أو الحلية الواقعية المجعولة للشيء-بالعلم بذاك الحكم نفسه موجب لمحذور الخلف،والمفروض وجود الحكم مع قطع النظر عن العلم بالحكم،ولو اُخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم للزم عدم الحكم مع قطع النظر عن العلم؛ولذا لا يؤخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم.
والحاصل أنَّ المراد بالطهارة في قوله كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر،والمراد بالحليّة في قوله:كل شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام الطهارة الظاهرية والحلية الظاهرية،والشارع جعل الطهارة بعنوان الحكم الظاهري للثوب المشكوكة طهارته الواقعية ونجاسته مادام المشكوك باقياً،و كل حكم مجعول للشيء يكون حكماّ ظاهرياً مادام الجهل بحكمه الواقعي باقياً،وهذا هو معنى الحكم الظاهري،فمفاد كل شيء طاهر حكم ظاهري،ومفاد كل شيء حلال حكم ظاهري.
والاعتبار في الحكم الظاهري يختلف عن الاعتبار في الطرق والامارات،ولا يماثله.لماذا؟
إذ لا كشف لمشكوك الطهارة والنجاسة عن الواقع.ثمَّ إنَّ موضوع الحكم الظاهري هوالشك في الطهارة الواقعية والنجاسة الواقعية،أي الموضوع هو الجهل وعدم العرفان،وليست فيه جهة الاراءة والمرآتية للواقع،ولا يوجد سوى الشك في الطهارة الواقعية مع قطع النظر عن «كل شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»
وهذا بخلاف باب الامارات فإنَّ هناك شيئاً مرآة للواقع مع قطع النظر عن اعتبار الأمارة،الّا انه لا يُري الانسان الواقع بوضوح حتى لا تبقى شبهة في نفسه،فالبينة القائمة على طهارة الثوب الذي كان نجساً بالامس تخبر عن الطهارة الواقعية وتريها،الّا أنَّ مرآتيتَها ليست كاشفة بالذات كمرآتية العلم وكاشفيته التي لا تسمح لتطرق احتمال الخلاف،بل يعتبر دليل اعتبار الأمارة كشفها عن الواقع،و يقول إذا أخبرت البينة بطهارة الثوب،فتعامل مع الثوب معاملة الطاهر الواقعي وصلِّ فيه كما تُصلي في الثوب الطاهر الواقعي،ولا يجعل دليل الاعتبار الطهارة بل يؤمر بترتيب آثار الطهارة الواقعية،والأمر يبقى مادام الجهل باقياً،وإذا انكشف الخلاف وتبين أنَّ المكلف صلّى في الثوب النجس وجب امتثال التكليف الواقعي لبقاء الأمر الواقعي على حاله.
هذا هو الفرق بين الطرق والامارات.
ومن تتبع كلام المتأخرين عن المرحوم الآخوند ولاحظ تقريبهم لكلامه وتسليمهم له،وجد التزام بعضهم بأنَّ «كل شيء طاهر» يوجب التوسعة في طهارة الثوب الواقعية التي قُيدت الصلاة بها في خطاب (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) ويقول بأنَّ الطهارة مجعولة للثوب المشكوكة طهارته الواقعيةويجوز الدخول إلى الصلاة فيه،كما يكون الثوب المغسول بماء البحر طاهراً،أي دليل اعتبار الاصل يوجب التوسعة في نفس الطهارة التي يطلق عليها الشرط،كما صرح به المرحوم البروجردي و التزم بأنَّ كل شيء طاهر،وكل شيء حلال يوجبان التوسعة،فالأول يوجب جعل الطهارة لمشكوك الطهارة،والثاني يوجب جعل الحلية لمشكوك الحلية.