و لأحد أنْ يقول أن يا أيها الآخوند(ره) أنت لم تستفصل في عدم إجزاء الأمارة القائمة على القيود،و لم تقل إنَّ عدم الإجزاء يبتني على أنَّ المجعول هو الحجية،وأمّا بناء على ما سلكه المرحوم الشيخ من أنَّ معنى اعتبار الأمارة هو جعل المدلول،فلا يبقى فرق بين الاُصول والأمارات فإذا شهدت البينة على طهارة الثوب جعل الشارع الطهارة،واذا شهدت على نجاسته جعل الشارع النجاسة،كما هو الحال في الاُصول.
وقد ذكرت أنَّ البعض سلّموا التفصيل المذكور للمرحوم الآخوند منهم الكمپاني ؟ره؟إلى الجواب عن الشبهة،وقال إنَّ المختار هو عدم الاجزاء في الأمارة القائمة على قيد التكليف و ان التزمنا بأنَّ معنى اعتبار الأمارة هو جعل الحكم التكليفي والمدلول،لا جعل المنجزية والمعذرية،كما أنَّ المختار في الأُصول الإجزاء؛لأنَّ بين الأمارات والأُصول فرقاً.فما هو هذا الفرق؟
يقول:إنَّ البيّنة إذا قامت على طهارة الثوب فقد اُخبرت عن الطهارة الواقعية وقول العدلين كاشف عن الطهارة الواقعية،و لو سألتهما عن أنَّ الثوب طاهر في علم الله؟لأجابا نعم،نشهد بأنّه طاهر في علم الله.فهما يخبران عن الطهارة الواقعية،وبما أنَّ كشف البيّنة ليس كشفاً جزمياً قطعياً فإن الشارع اعتبر كشفها وحكم بوجوب العمل بما تكشف عنه البيّنة.
ثمَّ انّ الشارع لا يجعل الطهارة للثوب عند قيام البينة على طهارته حتى على مسلك الشيخ،بل يعتبر جهة الكشف عن الواقع ويجعل أثر الطهارة الواقعية؛لأنّ العدلين أخبرا عن الطهارة الواقعية للثوب؛وأثر الطهارة الواقعية هو جواز الدخول في الصلاة،فيجعل الشارع أثر الطهارة الواقعية لا نفس الطهارة؛إذ الأمارة تخبر عن الطهارة الواقعية،وليست الأمارة على غرار الأصل القائل بأنَّ كل شيء طاهر،حيث لا مساس له بالواقع،ولا علاقة له بأنَّ الحكم الواقعي للشيء المشكوك هو الطهارة أو النجاسة،بل يفيد أنَّ حكم المشكوك هو الطهارة مادام مشكوكاً،وليس مفاد الأصل الطهارة الواقعية؛ولكن البيّنة تخبر عن الطهارة الواقعية،والشارع يجعل الاعتبار ويرشدنا إلى أنْ نعمل مع المخبر به معاملة الطاهر الواقعي،ويسوغ الدخول إلى الصلاة في هذا الثوب،كما سوّغ الدخول إلى الصلاة في الثوب الطاهر بالطهارة الواقعية،وعندئذٍإذا صلّينا في هذا الثوب الذي قامت البيّنة على طهارته أو على كونه من أجزاء مأكول اللحم،وانكشف بعد الفراغ أنّه لم يكن طاهراً أو لم يكن من أجزاء مأكول اللحم،لم يتحقق المأمور به؛لأنّ الشارع حكم بجواز الدخول في الصلاة ما دامت الأمارة باقية ولم ينكشف الخلاف،وقد انتفى جواز الدخول عند كشف الخلاف،وبقى التكليف باقياً على حاله من دون امتثال متعلقه،وهذا بخلاف الاُصول العملية.
ثمّ التفت إلى إشكال يوجه إلى كلامه من بعيد،وهو عبارة عن أنَّ الفرق بين الأمارة و«كل شيء طاهر» أو «كل شيء حلال» في محله،ولا مساس لهما بالطهارة الواقعية؛ولكن الاستصحاب ليس كذلك،فالاستصحاب يقول:«لا تنقض اليقين بالشك» أو «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت» أو «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين» ولا يعتبر في الاستصحاب أن تكون الحالة السابقة حكماً واقعياً،بل الاستصحاب يجري في الاحكام الظاهرية أيضاً-على ما سيأتي إن شاء الله-ولكن الغالب في الاستصحاب كون الشيء مسبوقاً بالامر الواقعي،كما تشهد به موارد الروايات،فالثوب كان طاهراً واقعياً والامام يقول:«انك كنت متوضأ قبل الخفقة والخفقتين فليس لك أن تنقض اليقين بالشك» وهذه هي لطهارة الواقعية المتعبد بها،وليس معنى التعبد بالطهارة الواقعية الّا الأمر بترتيب الأثر كجواز الدخول إلى الصلاة،كما هو المقرر في الأمارات،وبناء على ذلك يكون الاستصحاب على غرار الأمارات،لا على غرار «كل شيء طاهر»و«كل شيء حلال».
وأجاب عنه بأنّا لم نقل إنَّ التعبد بالواقع ينافي جعل الطهارة الظاهرية ليرد عليه النقض بالاستصحاب ويقال بان الواقع قد تعبّد به ولم ينافِ جعل الطهارة الظاهرية فيه،بل نحن ادعينا ان دليل اعتبار الامارات قاصر عن جعل القيد ظاهراً.
قال:ان دليل اعتبار الأمارة كالبينة القائمة على طهارة الشيء قاصر عن جعل الطهارة الظاهرية للثوب،فدعوانا القصور لا المنافاة،ودليل الاعتبار فيها إنما يفيد ترتب آثار الطهارة الواقعية،ولا دلالة له على أزيد من ذلك؛لأنّ الدليل في الامارات هو السيره العقلائية المستقرةعلى ترتيب آثار الواقع،وهذا بخلاف الاستصحاب حيث لم يعتبرالشارع جهة الكشف عن الواقع فيه،وقد اعتبر جهة الكشف عن الواقع في الأمارات مع قصور في دليل الاعتبار،و لا كشف في الاستصحاب حتى يعتبره الشارع،أي ليس الاستصحاب كاشفاً عن الواقع،بل يكون اعتباره بمعنى جعل حكم مماثل للحكم الواقعي في السابق،كما عليه الآخوند.
نعم إنَّ الاستصحاب يكون على غرار الأمارة إذا قیل بحجيته من باب الظن،وكشفه الظني عن الواقع،واعتبار الشارع لذلك الكشف الظني له؛ولكن الأمر ليس كما قيل.