و دلّ دليل اعتبار الأمارة بعبارة واضحة على أنَّ الشارع جعل المنجزية والمعذرية عند اعتبار الامارات ومنها البينة على ما سلكه المرحوم الآخوند فاذا قامت البينةُ على طهارةِ الثوبِ أو حليةِ الجزءِ المأخوذِ من الحيوان واُقيمت الصلاة فيه،وكان الثوب نجساً في الواقع،أو كان الجزء مما لا يؤكل لحمه في الواقع،كان المكلف معذوراً على مخالفة التكليف الواقعي،الذي هو عبارة عن الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر أو اللباس المأخوذ مما يؤكل لحمه،وهذا هو معنى جعل المنجزية والمعذرية وعدم جعل الطهارة.
فالمكلف معذور يوم القيامة حين اُوتي كتابه عند الميزان على تقدير عدم كشف الخلاف إلى آخر الوقت،وتجب الاعادة إذا انكشف الخلاف في الوقت؛لأنّ دوام المنجزية والمعذرية منوط بدوام الأمارة القائمة،والتكليف المطلوب هو صرف وجود الصلاة في الثوب الطاهر أو البدن الطاهر بين الحدين،والمفروض أنَّ المكلف علم عدم الاتيان به بعد كشف الخلاف،وعلم أنّه لم يصلِّ في الثوب الطاهر بالطهارة الواقعية ولا بالطهارة الظاهرية المجعولة والموسعة من قبل الشارع ولم يكن في البين سوى المعذرية والمنجزية.
وظهر مما تقدّم العلة والملاك في هذا المطلب،فإنَّ الدليل الوارد في اعتبار الأصل العملي يفيد جعل القيد كالطهارة والنجاسة والحلية والحرمة،ويكون حاكماً على متعلّق الخطاب للتكليف الواقعي،ويتسبب في اتساعه؛ولكن لا جدوىٰ في الأمارة القائمة على قيد متعلَّق التكليف أو قيد موضوع التكليف بعد كشف الخلاف؛لأنَّ دليل اعتبارها لا يفيد الّا المنجزية والمعذرية؛ولذا يجب التدارك بعد كشف الخلاف.
انتهى المحصل من كلام المرحوم الآخوند في المقام،وقد سلّمه بعض الأجلاء والتزموا بتمامية ما ادعاه من الحكومة ومنهم المرحوم الكمپاني.
ثمَّ إنّ مسلك الامامية ومنهم المرحوم الآخوند هو اعتبار الأمارات من باب الطريقية،لا من باب السببية،وعدم الإجزاء يبتني على مسلكنا وهو الطريقية.
ويمكن أنْ يتبادر إلى الذهن كلام موجّه إلى المرحوم الآخوند ويقال له إنَّ الفرق المدّعىٰ في كلامك يتم بناء على كون معنى الاعتبار في الأمارة جعل الحجية،وهي المنجزية والمعذرية؛لأَنَّ الشارع لم يجعل الطهارة الظاهرية في موارد الأمارة حتى يفيد جعلها التوسعة،وهذا بخلاف موارد الاُصول حيث يقتضي دليل الاعتبار في الاُصول جعل الطهارة لمشكوك الطهارة والنجاسة،وجعل الحلية لمشكوك الحلية والحرمة،والأمارة ليست كالاُصول التي لا وجود لها بمعزل عن دليل اعتبارها،فإنَّ الامارة بنفسها تخبر عن الواقع بواسطة المخبر ويمثل لها بخبر الثقة أو البينة،ودليل اعتبار الامارة يفيد جعل المنجزية والمعذرية لخبر المخبر بالطهارة والنجاسة الواقعية وعبّر المرحوم الآخوند عن المنجزية والمعذرية بالحجية وأفاد بأن المجعول في الأمارات الحجية،وبهذا ظهر الفرق بين الأصل والأمارة؛ولكن يطرح سؤال على بساط البحث و هو أنَّ المرحوم الآخوند لم ينبّه على صورة المسألة وفقاً لما اختاره الشيخ في الأمارات من أنَّ دليل الاعتبار في الأمارات لا يفيد جعل الحكم الوضعي؛لأنّ المرحوم الشيخ التزم بأنَّ الأحكام الوضعية لا تقبل الجعل على نحو الاستقلال،و ما اعتبره الشارع في الأمارات هو جعل الحكم التكليفي بمعنى أنَّ دليل الاعتبار يفيد جعل المخبر به في الأمارة إذا كان قابلاً للجعل،ويفيد جعل الحكم فيها إذا لم يكن المخبر به قابلاً للجعل،فعلى سبيل المثال إذا قامت الامارة:على أنَّ «هذا المائع خمر» فإنَّ الخمر ليس قابلاً للجعل،بل هو تابع لواقعه الخارجي فإمّا يوجد في الخارج خمر،وإمّا لا يوجد في الخارج خمر،فالموضوع غير مجعول،واذا قال الشارع:«البينة حجة» فإنَّ معناه جعل الحرمة لشرب هذا المائع الذي اُخبر بخمريته بالبينة،وعندئذٍ يلتزم المجتهد بحدوث العلم بحرمة شرب هذا المائع بعد قيام البينة على خمريته وهذه الحرمة حرمة ظاهرية وحكم لذلك الموضوع وإذا قامت الأمارة على نفس الشيء القابل للجعل،أفاد دليلها جعل ذلك الشيء،كما أنَّ الطهارة والنجاسة من الاحكام الوضعية القابلة للجعل عند المرحوم الآخوند،فتجعل الطهارة للثوب الذي قامت الأمارةعلى طهارته،وإذا لم يكن مؤدى الأمارة قابل للجعل تمَّ جعل حكمه الشرعي،الّا ان هذا الحكم إذا طابق الحكم الواقعي تنجز للتطابق،واستحق المكلف العقوبة على مخالفة الحكم الواقعي،وإذا لم يطابق الحكم الواقعي كان المكلف معذوراً.