بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس (۸۲)
حكم الماء عند الشك في تغيّره
مسألة ۱۶: «إذا شكّ في التغير وعدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة أو كونه بالنجاسة أو بطاهرٍ لم يحكم بالنجاسة».
هكذا قال في العروة: إذا كان الماء معتصماً وعلمنا بوقوع الميتة فيه وشكّ في حدوث التغير للماء وٱختلفت أقوال الناس فيه؛
فقال بعضٌ: انه طعم الماء من دون تغير، وقال بعضٌ آخر: ألا ترىٰ أنّ الماء ٱكتسب رائحة؟ وقال جماعةٌ: لم يكتسب الماء أية رائحةٍ ونحن شككنا في تغير هذا الماء الواقع فيه النجس إثر تلك الاقوال المختلفة، فما هو الحل؟ هذا هو الفرض الاول.
الفرض الثاني: قد علمنا أنّ الماء قد تغير ولكن شككنا في أنّ التغير هل حدث بسبب المجاورة أو بواسطة الملاقاة؟ كما لو ألقي حيوانٌ في الماء وألقي في جنبه خارج الماء حيوانٌ آخر، وكانا جيفتين والملقىٰ خارج الماء حيوانٌ ضخم الجثة شديد النتانة حسب الفرض، وشككنا في أنّ التغير الموجود والمحرز للماء هل حدث بسبب مجاورته لعين النجس حتى يحكم بطهارته أو حدث بواسطة ٱستناده إلى النجس الملقىٰ في الماء حتى يحكم بنجاسته؟
والحاصل أنّ الشك تارةً يتعلق بوجود التغير وعدم التغير في الماء وإن علم بوجود النجس في الماء، واخرى يتعلق بسبب التغير أي نعلم أنّ الماء قد تغير بالنجس، ولكن لا نعلم أنّ السبب في التغير هل هو المجاورة أو الملاقاة؟
الفرض الثالث: نعلم أنّ التغير حدث بالملاقاة قطعاً، ولكن لا نعلم أنّ التغير هل حدث بسبب ملاقاة عين النجس أو المتنجس الحامل لأوصاف النجس أو حدث بواسطة ملاقاة الشيء الطاهر؟ كما لو شاهدنا صفرةً في الماء لوقوع شيءٍ فيه، ولكن لا نعلم أنه بولٌ أو صبغ؟ أي لا نعلم أنّ الصفرة وليدة الشيء النجس أو الشيء الطاهر؟
هذه فروضٌ ثلاثة: الاول هو الشك في أصل التغير.
الثاني هو الشك في ٱستناد التغير المحرز إلى المجاورة أو إلى الوقوع والإصابة. الثالث هو الشك في ٱستناد التغير إلى النجس أو الطاهر.
قال عروة(ره)[۱]: لم يحكم بنجاسة الماء في هذه الفروض الثلاثة، بل يحكم بطهارته.
قد مرّ في المسألة السابقة أنّه يحكم بنجاسة الماء إذا ألقيت الميتة في الماء واخرجت منه قبل حدوث التغير وكان ٱستناد التغير إلى الميتة معلوماً وإلّا يحكم بطهارة الماء، ومن هذا القبيل الفرض الثاني والثالث هنا، حيث يكون أصل التغير محرزاً، ولكن لم يكن ٱستناده إلى المجاورة أو الملاقاة محرزاً في الفرض الثاني، ولم يكن ٱستناده إلى الطاهر أو النجس محرزاً في الفرض الثالث فلا يحكم بنجاسة الماء في هٰذين الفرضين، كما لم يحكم بنجاسة الماء في المسألة السابقة.
وحينما يحكم صاحب العروة(ره) بالطهارة يعبّر عنه بعبارة «لم يحكم بنجاسته» في أكثر الموارد لأنّ الطهارة تتعين عند عدم الحكم بالنجاسة وإن كان المستند فيها «الماء كلّه طاهر» و «كلّ شيءٍ طاهرٌ حتى تعلم أنّه قذر»[۲].
دليل الحكم بالطهارة في المسألة المبحوث فيها
لماذا يحكم بالطهارة؟
قد لاحظتم عدة رواياتٍ في المقام وقد ٱستفدنا منها أنّ موضوع تنجس الماء الكثير والماء المعتصم هو وقوع النجاسة في الماء وتغير الماء بها كما قال (علیه السلام): «إن لم يغيره أبوالها وكذلك الدم إذا سال في الماء» إي «إذا لم يغير الدّم».
وٱعتبر في بعض الروايات تغير الماء بواسطة النجس. فـ«إن لم يتغير الماء» الذي فيه الميتة يحكم بطهارته و «إذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضّأ منه ولا تشرب» وقد ذكرنا أنّه جاء في بعض الروايات الواردة في التغير: «إذا غلب الماء الجيفة» أو «إذا غلب لون الماء لون البول» فإنّ معنى الغلبة هو عدم التغير؛ لأنّها مذكورةٌ في مقابل التغير كما قال (علیه السلام): «إذا كان الماء قاهراً» أو «إذا غلب الماء» وذيّله بقوله (علیه السلام): «فإذا تغير الماء» فيظهر منه أنّ معنى غلبة الماء هو عدم التغير. والحمد لله رب العالمين.
[۱]– المراد هو صاحب العروة (ره).
[۲]– إي وان كان مستنده قواعد نحو «الماء كله طاهر» وقاعدة الطهارة «كل شيء لك طاهر حتى تعلم انه قذر» وتلك القواعد مأخوذة من الروايات.