بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس (۷۱)
ظهور الخطاب في ٱعتبار التغییر الحسّي
لا یتمّ ما قالوه من عدم الفرق بین التغییر الحسّي والتقدیري والحکم بنجاسة الماء علی کلا الفرضین. لانا نتساءل: کیف تدّعون أنّ موضوع تنجّس الماء هو کمّ النجاسة ومقدارها وتلتزمون بتساوي کمّ النجاسة فیهما؟
أذکر هنا قاعدةً کلّیةً لا تختص بهذا المورد: کلّ عنوانٍ جعل موضوعاً لحکمٍ أو قیداً لحکمٍ أو قیداً لموضوع الحکم في لسان الدلیل والخطاب، فإنّ ظاهره قیدیة العنوان بنفسه. فإذا أخذ الشارع أو متکلّمٌ آخر في خطابه عنواناً في موضوع حکمه أو جعل عنواناً قیداً للموضوع أو قیداً لنفس الحکم فإنّ ظاهره جعل نفس العنوان قیداً لموضوع الحکم أو لنفس الحکم، والقیدیة تتعلّق بنفس العنوان، فلیس معنی هذا الجعل أنّ العنوان مشیرٌ إلى شيءٍ آخر، والموضوع هو الأمر الآخر. نعم، ربما یکون العنوان مشیراً إلى شيءٍ آخر والموضوع هو الأمر الآخر، مثلاً: یقول المولی لعبده في مجلس العلماء: «أکرم هؤلاء الجلساء» والعبد یدرك أنّ الاکرام یشمل جمیع الجلساء حتّی من قام منهم وذهب إلى الکنیف مثلاً، فلا مدخلیةً للجلوس هنا، وانّما الجلوس معرّفٌ لموضوع الحکم. وهذا الفرض معقولٌ ولا ننکره.
نعم، قد یؤخذ عنوانٌ في موضوع الحکم قیداً لنفس الموضوع أو للحکم ویعرّف هذا العنوان عنواناً آخر یکون دخیلاً وقیداً للحکم أو لموضوع الحکم ولکنه خلاف الظاهر. فإذا قامت القرینة علیه نلتزم به کما في هذا المثال، حیث یعلم العبد بعدم مدخلیة الجلوس في الاکرام. اما إذا لم تقم قرینةٌ علیه فیؤخذ بظاهر الخطاب وهو مدخلیة نفس العنوان في الحکم أو في موضوع الحکم. والمقام من هذا القبیل. جاء في لسان الادلة أنّ الماء إذا تغیّر طعمه أو ریحه أو لونه ـ حسب ما ٱستفدناه من الروایات ـ «فلا تتوضّأ منه ولا تشرب» ویتنجّس هذا الماء وفقاً للروایات التي جعل التغیّر قیداً للحکم فیها، والتغیّر ظاهر في کونه قیداً بذاته ولیس التغیّر مشیراً أو طریقاً إلى ذاك الکمّ من النجاسة الموجب للتنجّس، کما أنّ الجلوس کان طریقاً أو مشیراً إلى العالم الدخیل في وجوب الاکرام أو ٱستحبابه. هذا أولاً.
وثانیاً؛ لدینا قرینة علی الخلاف في المقام مضافاً إلى أنّ الخطاب ظاهرٌ في کون التغیّر هو موضوع الحکم. فلدینا قرینةٌ علی أنّ الکمّ لا یوجب تنجّس الماء إي لا مدخلیة للکمّ، بل لکیفیة النجاسة مدخلیةٌ في الحکم، کما لو ألقیت میتةٌ ضًخمةٌ في الماء واخرجت منه علی الفور وألقیت میتةٌ هزیلةٌ في ماءٍ مساوٍ في الکم لذاك الماء وترکت فیه لمدة اسبوعین أو شهرٍ أو أقلّ منه أو اکثر من شهرٍ فتغیّر الماء بها. فالکمّ لا مدخلیة له هنا، وإلّا لزم القول بطهارة الماء المتغیّر بالمیتة الهزیلة، لقلة کمّ النجاسة فیه مع أنّ هذا الماء المتغیّر محکومٌ بالنجاسة والماء الملقاة فیه المیتةٌ الضخمة طاهرٌ لعدم تغیّره. فالکمّ لیس موضوع الحکم ولیس لأحدٍ أنّ یقول بطهارة الماء النتن الملقاة فیه المیتة الهزیلة، ویستدل علی عدم نجاسته بعدم نجاسة الماء الذي القیت فیه المیتة النتنة الضخمة واخرجت منه علی الفور کي لا یتغیّر، ولا یصح الاستناد إلى أنّ کمّ هذا الماء أکثر من کمّ ذلك الماء. فلا وجه للالتزام بهذا القول ولوازمه.
فمضافاً إلى عدم وجود قرینةٍ علی مدخلیة کم النجاسة وظهور الخطاب في کون التغیّر موضوع الحکم، توجد قرینةٌ قطعیةٌ علی الخلاف وأنّ الکمّ لیس موضوع حکم النجاسة قطعاً.
الرجوع إلى أصالة الطهارة والاستشکال علیه في المقام
وقد أشکل بعضٌ في المقام ـ وکأنّ الاشکال مذکورٌ في المستمسك ـ قال: لو کان کمّ النجاسة موجباً للتنجّس، للزم الرجوع إلى أصالة الطهارة فیما إذا تغیّر الماء وشککنا في کمّیة النجاسة، أهي تبلغ حدّاً یتنجّس الماء به أم لم تبلغ ذلك الحد؟ لأنا لا نعلم موضوع النجاسة هذا ونحتمل أنّ المقدار الموجود من النجاسة في الماء لم یحتو علی الفرد الکمّي المعتبر في تنجّس الماء، کما لو تغیّر الماء لشدّة الحرّ وما شابهها بالتغیّر الحسّي ولولا شدّة الحرّ لما تغیّر الماء.
ولا یتمّ هذا الکلام؛ لأنّ أصالة الطهارة أصلٌ عملي، فإذا فرضنا أنّ الشارع جعل التغیّر لإحراز الکمّ فالتغیّر أمارةٌ علی وجود الکمّ، ومع جعل الطریق المعتبر المؤدي إلى إحراز الکمّ لا تصل النوبة إلى الأصل وجریان أصالة الطهارة؛ لأنّ الشارع جعل التغیّر أمارةً وطریقاً مؤدیاً إلى إحراز الکّمّ. فلا یرد ذلك الاشکال علی المقام، بل الاشکال علی الالتزام بأنّ موضوع النجاسة وهو الکمّ واردٌ علی نحو ما ذکرناه من الردّ علیه بوجهین:
الاول: أنّ هذا الکلام مخالفٌ لظاهر الخطابات؛ لأنّ الخطابات ظاهرةٌ في مدخلیة نفس العنوان المأخوذ فیها وعدم کونه مشیراً إلى عنوانٍ وأمرٍ آخر.
الثاني: وجود القرینة علی الخلاف کما مثّلنا له، فکمّ النجاسة قلیلٌ، ولکن لطول مکث النجاسة في الماء مدخلیةٌ في الحکم؛ لأنّ طول المکث موجبٌ لتغیّر الماء، والتغیّر موجبٌ للتنجّس بلا شبهة.
القرینة علی عدم اعتبار کمّ النجاسة في تنجّس الماء
هناك قرینةٌ قطعیةٌ تدلّ علی عدم صحة الالتزام بأنّ کمّ النجاسة موجبٌ لتنجّس الماء وهي کما یلي: إنّ المیاه في الخارج یختلف بعضها عن بعض، فمن المیاه ما یتغیّر بقلیلٍ من کمّیة النجاسة لصفاء الماء ونقاوته وخلوّه من الأملاح، ومن المیاه ما لم یتغیّر بالقلیل من النجاسة لاختلاطه بالأملاح فلا یتنجّس بهذه النجاسة الضئیلة. فلا مناط للکمّ بحیث یکون کمٌّ خاصٌّ موضوعاً للنجاسة. ولیس الأمر کذلك. فإنّ المیاه مختلفةٌ والنجاسات متنوعةٌ ولا یمکن إدراجها تحت ضابطةٍ خاصة.
فمحصّل الکلام هو اعتبار التغیّر الفعلي ولا عبرة بالتغیّر التقدیري، وهو المعنی الثاني للتغیّر في المقام وعبّر عنه بالتغیّر الواقعي في مقابل التغیّر الفعلي. والحمد لله ربّ العالمین.