بسم الله الرحمن الرحيم
المبحث السابع
الاشكال الثالث لصاحب الحدائق علی الاستدلال بالآیة الشریفة: (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) هو أنّ الطهور فیما نحن فیه صیغةٌ من صیغ المبالغة، وعند ما یكون مبدأها لازماً فالمبالغة فیه لازمة. فمعنی الطهور هو غایة الطهر وشدّته فالآیة الشریفة: (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) لا دلالة لها علی كون الماء مطهراً من الحدث والخبث.
وقد أجاب صاحب الحدائق(ره) عن الاشكال الثالث بأنّا لو سلّمنا أنّ ظهور صیغة المبالغة فیما إذا كان مبدأها لازماً یقتضي بأن تكون المبالغة في المبدأ لازمةً لا متعدیةً لكن لا نسلّم بأنّ الطهور هنا ظاهرٌ في المبالغة في الطهر. الطهور هنا لیس من صیغ المبالغة قطعاً، والطهور بمعنی المبالغة في الطهر لا معنی له وما معنی المبالغة في الطهر؟ فإن كان الطهور بمعنی الطاهر فلا یختص حینئذٍ بالماء؛ لأنّ كلّ الاشیاء توصف بالطهور بهذا المعنی: الثوب طهور، الخشب طهور و… فكلّ شيءٍ طهور، أي طاهر، والنجاسات محددةٌ بأمورٍ معینةٍ، وإذا لم یطلق الطهور علی الخشب والثوب والفراش وغیرها بالوجدان، فیعلم منه أنّ الطهور لیس بمعنی الطاهر. لا معنی لغایة الطهر في شيءٍ. ربما یقول أحدٌ هذا طهور أي أنّه لا ینجس.
السید الخوئي(ره) یقول في ذیل هذا الجواب: تعلیقة ص ۱۳ رقم ۱.[۱] [۲] [۳]
لا[۴] یعقل اتصاف الأمور الاعتباریة بالشدة والضعف. انّما الشدة والضعف وصفان یتعلقان بالأمور التكوینیة.[۵] كما یقال الثلج شدید البیاض أو القطن شدید البیاض، وبیاض هذا الجسم أضعف من بیاض ذلك الجسم. فالبیاض والسواد من الأمور التكوینیة العینیة الخارجیة التي تقبل الشدة والضعف. أمّا الأمور الاعتباریة فلا تتصف بهما. كما أنّ الملكیة لا توصف بالشدة والضعف. فطهوریة الماء من الأمور الاعتباریة ولا تقبل الشدة والضعف، فلا معنی لقولنا إنّ الماء شدید الطهر. فالأمور الاعتباریة ومنها الطهارة في مقابل النجاسة لا توصف بالشدة والضعف.
جواب الأستاذ المیرزا التبریزي(ره) للسید الخوئي(ره)
نحن نقول: إنّ هذا الجواب لیس بصوابٍ لأنّ الأمور الاعتباریة قابلةٌ للشدة والضعف أیضاً. ومن یدّعي أنّ الشدة والضعف مختصان بالأمور التكوینیة الخارجیة؟ إنّ للأمور الاعتباریة أیضاً شدةً وضعفاً، وانما الشدة والضعف فیها اعتباریان كأصلهما. لاحظوا إكرام القادم. فالاكرام أمرٌ اعتباري. اذا دخل أحدٌ الغرفة فیكرمه جالسٌ بحركةٍ خفیفةٍ تحرّكه من مكانه اجمالاً فیسلّم علیه ویرحب به. ثمّ یكرمه جالسٌ آخر بقیامه من مكانه ویكرمه احدٌ بالقیام من مكانه والدنو منه ویستقبله شخصٌ عند الباب. هذا كله یسمیٰ باكرام القادم. فهل الاكرام بجمیع اقسامه من نوعٍ واحد؟ الاكرام منه شدیدٌ وضعیف. فالاهانة والاكرام من الأمور الاعتباریة كأصلهما.
وإذا كان الامر كذلك فنقول حینئذٍ إنّ الطهارة من الاعتباریات وتتصف بالشدة والضعف.
فدعویٰ أنّ الأمور الاعتباریة لیست قابلةً للشدة والضعف لا تطابق الوجدان. نعم، إنّ الشدة والضعف في الأمور الاعتباریة لیسا بتكوینیین، بل هما اعتباریان كأصلهما كما یقال: أكرمه إكراماً تاماً. كذلك في الواجبات.
معنی الطهور في الآیة المذكورة حسب رأي المیرزا التبریزي(ره)
والعمدة في الجواب هنا أن یقال: إنّ الطهور لیس بمعنی شدة الطهر لأنّ إطلاق شدة الطهر لا یحظیٰ بمدلولٍ محصل، إلّا إذا أخذناها بمعنی عدم التنجس. والفرق بین الخشب والثوب والماء هو أنّ الخشب یتنجس فلا یقال له طهورٌ، ویوصف الماء بالطهور لانه لا یتنجس.
إن كان شدة الطهر بهذا المعنیٰ فینتقض بما أطلق في الروایات من انّ «التراب أحد الطهورین»؛[۶] لعدم الفرق بین التراب والخشب. فالخشب یتنجس بإصابة النجاسة له، والتراب یتنجس كذلك. فلا فرق بینهما. انما الفارق هو كون التراب مطهراً من الخبث والحدث. أما الطهوریة من الحدث فتحصل بالتیمم، ومن الخبث بالتعفیر مثلاً. كما أنّ التراب یطهّر باطن النعل. «التراب أحد الطهورین»، «جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً»[۷] فالتراب مطهر.
فیعلم مما ذكرناه انّ الطهور لو كان بمعنی شدّة الطهر لما صحّ اطلاق الطهور علی الارض لعدم الفرق بین الارض والخشب. ومن جهةٍ اخریٰ لصحّ اطلاق الطهور علی بدن الحیوان، والقول بأنّ الحیوان طهورٌ، وسيأتي إنّ شاء الله تعالى القول بعدم تنجّس بدن الحيوان، وإن قال المشهور بأنّ بدن الحيوان یتنجس ویتطهر بزوال العین. سنقول هذا لیس بصحیح؛ لأنّ في حال عدم وجود عین النجاسة فلا نجاسة حینئذٍ، وفي حال وجود عین النجاسة فالعین هو النجس، وأمّا البدن فلا یتنجس. كما لو ألقي قذرٌ في ماء الكر فلا ینجس، والقذر قذرٌ مادام موجوداً. كذلك بدن الحیوان.
والدلیل علی عدم كون الطهور صیغةً من صیغ المبالغة هو صحة إطلاق الطهور علی التراب، وعدم صحة اطلاقه علی بدن الحیوان وبواطن الانسان اللذین لا یتنجسان. فهذا الدلیل یكشف عن أنّ الطهور في الآیة المباركة لیس من صیغ المبالغة قطعاً. بل الطهور كـ: وقودٍ ورسول؛ الوقود هو ما یتوقد به، والرسول هو ما یرسل به، والطهور هو ما یتطهر به، وما تحصل به الطهارة فمعنی (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) هو «وأنزلنا من السماء ما یتطهر به» فالمعنی الملائم لهذه الآیة المباركة هو معنی الفعول كـ: وقودٍ ورسول وغیرهما من الاستعمالات. فكما أنّ «رسول» بمعنی «ما یرسل به» و«وقود» بمعنی «ما یتوقد به» في هذه الاستعمالات، كذلك «طهور» یكون بمعنی «ما یتطهر به». فكلام المشهور القائل بأنّ «الماء طاهرٌ في نفسه» وتفسیر الطهور بالطاهر في نفسه المطهر لغیره لا یرجع إلی معنی الطّهور بنفسه. الطّهور هو ما یتطهر به، ولازمه هو أنّ الماء إذا كان مطهراً فلابد أن یكون طاهراً، وإن لم یكن طاهراً فكیف یكون مطهرا؟ فالارتكاز یحكم بطهارة ما یتطهر به. فمعنی الطهور نفسه لیس هو «الطاهر في نفسه» (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) فلازمه العرفي هو أنّ الماء إذا كان مما یتطهر به فلابد أن یكون طاهراً، ولعلّ مراد الفقهاء من «الطاهر في نفسه المطهر لغیره» هو الطهور بالدلالة الالتزامیة والمعنی المطابقي. والحمد لله ربّ العالمین.
[۱] . سورة هود: آیة ۷۸.
[۲] . سورة الانسان: آیة ۲۱
[۳] . المفهوم بشكل عام یشمل المفاهیم الحقیقية والاعتباریة والمراد من الماهیة هو المفهوم الحقیقي الذي یسمیٰ أیضاً بالمعقول الأولي والمفاهیم غیر الحقیقیة هي مفاهیم اعتباریة وغیر ما هویة ولیس لها قابلیة الوجود في الذهن وفي الخارج معاً، وهذه المفاهیم لیس لها عینیة بین المفهوم والمصداق، وحملها علی مصادیقها لیس كحمل الماهیة علی افرادها التي بینهما تطابق ذاتي. فلا یمكن الوصول الی حقیقة المصداق عن طریق المفهوم. تنقسم هذه المفاهیم إلی قسمین: معقولات ثانویة فلسفیة ومعقولات ثانویة منطقیة. المعقولات الثانویة الفلسفیة هي علی خلاف الماهیة (التي تكون نسبتها للخارجیة والمنشأیة للآثار لا بشرط ولا اقتضاء، بل هي عین الواقعیة وترتب الآثار) فهي مفاهیم تكون حیثیة مصداقها حیثیة الوجود في الخارج ومنشأ الآثار الخارجیة كالوحدة والفعلیة والوجوب وغیر ذلك. اما المعقولات الثانویة المنطقیه فهي مفاهیم تختلف عن ماهیتها من حیث ان حیثیة مصداقها الوجود في الذهن لذلك من المستحیل ان تتحقق في الخارج كمفهوم القضیه والحجة والمعرّف.
[۴] . اضاف الاستاذ جعفر التبریزي هذه الفقرة إلی البحث.
[۵] . التكویني هو ما له الوجود الواقعي.
[۶] . لا یوجد نص هذا الكلام في الكتب الروائیة للشیعة بل یوجد مضمونه. اما في الكتب الفقهیة فنفس العبارة مذكورة بعینها: الشیخ حر العاملي وسائل الشیعة (قم، موسسة آل البیت (علیهم السلام) ج ۱ ت ۱۴۰۹) ج ۳، ص ۳۷۰، ۳۸۱، ۳۸۶. ومن الكتب الفقهیة: علی بن حسین المحقق الكركي، جامع المقاصد فی شرح القواعد (قم، موسسه آل البیت (علیهم السلام) ج ۲، ت ۱۴۱۴ ق)، ج ۱، ص ۵۰۶.
[۷] . الشیخ حر العاملي، وسائل الشیعة، (قم، موسسه آل البیت (عليهم السلام) ج ۱، ت ۱۴۰۹ ق)، ج ۳، ص ۳۵۰، ۳۵۱، ج ۵، ص ۱۱۷، ۳۴۵.