الماء المطلق في الآیات (ج ۵)

بسم الله الرحمن الرحيم

البحث الخامس

عدم دلالة الآیة المباركة علی نزول المیاه بأجمعها من السماء

لابدّ من البحث في معنی هذه الآیة المباركة وغیرها من الآیات والروایات المستفاد منها بأنّ المیاه الموجودة علی الارض بأجمعها نازلةٌ من السماء. لا شكّ في أنّ بعض المیاه تنزل من السماء، وأما نزول المیاه بأجمعها من السماء فلا دلالة علیه في الآیات. إنما المعلوم عكس ذلك. لأنّ بعض المیاه تجري من ذوبان الثلوج، والثلج لیس بماء. فالثلوج تنزل وتذوب بإشراق الشمس وحرارة الأرض، وذوبان الثلج هو تحوله من الحالة الصلبة إلی الحالة السائلة تجري منها الانهار والشطوط. هذه الثلوج النازلة ثلوجاً من السماء لیست بماء (وأنزلنا من السّماء ماءً) ظاهر الآیة هو انّ الماء نزل من السماء ماءً. فلا یصح القول بأنّ جمیع المیاه نزلت من السماء. فإن كان المراد ذلك فخلافه قطعي. لم تنزل المیاه بأجمعها من السماء، بل یظهر من بعض الروایات أنّ ماء السماء یختلف عن ماء الأرض وظاهر الآیة (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) هو ماء السماء. هذا الماء المنتسب إلی السماء یختلف تماماً عن سائر المیاه التي لیست هي بماء السماء.

وفي صحیحة[۱] محمد بن مسلم: روى محمد بن یعقوب (وهو الكلینی)، عن محمد بن یحیی عن محمد بن أحمد (هو محمد بن أحمد الاشعري من الثقات صاحب كتاب نوادر الحكمة)، عن یعقوب بن زید (وهو من الاجلاء)، عن علي بن یقطین، عن عمرو بن ابراهیم، عن خلف بن حماد، عن محمد بن مسلم (بسندٍ صحیح) قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) یقول: قال رسول الله (صلی الله علیه وآله) قال الله عزّوجلّ: (و نزّلنا من السّماء ماءً مبارکاً)[۲] قال: لیس من ماءٍ في الأرض إلّا وقد خالطه ماء السماء.»

فعلم منها أنّ المیاه بأجمعها لیست بنازلةٍ من السماء. بل هنالك ماءٌ في الأرض قبالة ماء السماء، والحاصل أنّ القول بتكوین جمیع المیاه في السماء ونزولها منها إلی الأرض لا یمكن اثباته لا بالروایات ولا بالآیات. نعم، یمكن القول بأنّ الماء ینزل من السماء في الجملة. أما القول بأنّ المیاه المطلقة بأجمعها والموجودة علی الأرض من البحار وغیرها نازلةٌ من السماء فلا یستفاد ذلك من الآیات والروایات.

وأمّا ما قاله السید الخوئي(ره) بأنّ المراد من الآیة المباركة (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً)[۳] هو نزول أمره كما في (و أنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ)[۴] فكأنّه لیس بصوابٍ لأنّ لفظ السماء غیر مذكورٍ في الآیة. فلم یقل الله سبحانه: (وانزلنا من السماء الحدید فیه بأسٌ شدید) بل قال: (و أنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ). والنزول لا یدلّ علی النزول من السماء. والحدید هو مخلوقٌ في الأرض، ورغم ذلك یصح اطلاق النزول عليه كهذه الآیة المباركة: (هو الّذي أنزل السّکينة في قلوب المؤمنين)[۵]. الأنزال هو بمعنی الجعل والوضع أي جعلنا السكینة في قلوب المومنین، ولیس معناه نزول السكینة من السماء، بل هو خلق السكینة في قلوب المؤمنین. فلا یدل علی النزول من السماء. كما یقال: «أنزله علی حكم الأمیر» ولا یراد النزول من السماء، بل معناه تفویض الحكم إلی الأمیر لیفعل ما یشاء.

إذن قوله تعالی (و أنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ) هو بمعنیٰ «وخلقنا الحدید فیه بأسٌ شدید» كما في (أنزل السّکينة في قلوب المؤمنين).

أما هذه الآیة الشریفة(و إن من شي‌ءٍ إلاّ عندنا خزائنه)[۶] لا علاقة لها بالسماء. وقوله: «عندنا» أي مقهور بإرادتنا وتحت سیطرتنا. ما من موجودٍ وما من شيءٍ إلّا وهو تحت سیطرتنا.

قوله تعالی: (و ما ننزّله إلاّ بقدرٍ معلومٍ‌) أي لا نخلق من شيءٍ إلّا بقدرٍ معلومٍ تقضیه الحكمة. فهذه الآیات لا تدل علی نزول المیاه نفسها أو أمر من السماء.

وكیف ما كان لا نقبل دلالة هذه الآیة المباركة (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) وشمولها لجمیع المیاه.

نعم، یمكن أن یقال بأنّ الماء الطهور والنازل من السماء لا یستعمل غالباً في حال النزول من السماء، بل یوصف بالطهوریة ویستعمل بعد اجتماعه في الغدران[۷] أو الاواني وغیرها أو بعد جریانه علی الارض. فهو طهورٌ في حال النزول أیضاً. وعلی أیة حالٍ، إذا نزل الماء مطراً واستقر في اناءٍ أو حفرة وشكّل نهراً أو شطاً فهو طهورٌ ومطهر.

فإذا شملت الآیة المباركة هذا الماء، أي الماء الموجود علی الأرض، وهو أصله من السماء، سواءٌ كان كنهرٍ أو غدرانٍ أو حفرةٍ ملیئةٍ بماء المطر فیصح اطلاق ماء السماء علی هذه المیاه المستقرة في الأرض. فلا فرق حینئذٍ بین هذا الماء والمیاه الأخری التي فرضنا انها مخلوقةٌ في الأرض. إذن استقرار الماء في إناءٍ أو نهرٍ أو غیرهما یزیل احتمال تطرق الفرق بین هذا الماء وسائر المیاه. فلا اشكال في الالتزام بهذا القول.

جواب صاحب الحدائق عن الاشكال الثاني:

قیل: إنّ الماء في هذه الآیة المباركة نكرةٌ، والنكرة في مقام الاثبات لا تفید العموم. أجاب عنه صاحب الحدائق(ره)[۸] بأنه وإن كان كذلك مع عدم وجود قرینةٍ تفید العموم، ألّا أنّ قرینة المقام الموجودة في هذه الآیات ـ التي نقلناها ـ تفید العموم. فإنّ الظاهر أنّ هذه الآیات كلّها واردةٌ في معرض التفضّل واظهار الامتنان وبیان الانعام وحینئذٍ فلو كان هناك فرد آخر لذكره (عز شأنه) سیما مع ما یدل علیه قوله سبحانه (و إنّا على ذهابٍ به لقادرون‌) من التهدید بانّه إن أذهب ذلك الماء النازل من السماء لم یبق لنا غیره، وبما ذكرنا صرح جمعٌ من الأصولیین، حیث قالوا: بانّ النكرة في سیاق الاثبات إذا كانت للامتنان عمّت وفرّعوا علیه قوله سبحانه: (فيهما فاکهةٌ و نخلٌ و رمّانٌ‌)[۹].


[۱] . الشیخ حر العاملي، وسائل الشیعة، (قم، موسسة آل البیت (علیهم السلام) ج ۱، ت ۱۴۰۹ ق)، ج ۲۵، ص ۲۶۵.

[۲] . سورة ق (۵۰)، آیة ۹.

[۳] . سورة الفرقان (۲۵)، آیة ۴۸.

[۴] . سورة الحدید (۵۷)، آیة ۲۵.

[۵] . سورة الفتح (۴۸)، آیة ۴.

[۶] . سورة الحجر (۱۵)، آیة ۲۱.

[۷] . الغدران، جمع غدیر، وهو القطعة من الماء يغادرها السیل. (المعجم الوسيط: غدر).

[۸] . الشیخ یوسف البحراني، الحدائق الناضرة، (قم، دفتر انتشارات اسلامي، ج ۱، ت ۱۴۰۵ ق) ج ۱ وص ۱۷۳.

[۹] . سورة الرحمن (۵۸)، آیه ۶۸.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا