تنقسم الروايات الواردة في الصلاة على الأرض المتنجّسة إلى ثلاث طوائف.
الطائفة الاُولى هي الدالة على عدم جواز الصلاة وان كانت الأرض جافة.
منها ما ورد في صدر موثقة عمار حيث «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يُصلىٰ عليه وأَعلِمْ موضعه حتى تغسله».
الطائفة الثانية هي الدالة على عدم البأس بالصلاة إذ كانت الأرض جافة، والعمدة منها صحيحة علي بن جعفر، حيث قال: «سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليه؟ قال: إذا يبست فلا بأس».
ولاخصوصية للبارية.
وبما ان الحكم في المقام وضعي لا تكليفي فظاهر قوله:«أيصلى عليه» السؤال عن مانعية الصلاة على المكان المزبور، وظاهر موثقة عمار الساباطي المانعية في فرض الجفاف، وظاهر هذه الصحيحة عدم المانعية في فرض الجفاف، ولو كان الحكم بعدم البأس في فرض الجفاف تكليفياً لتعين حمل المانعة على الكراهة واستحباب الاجتناب، ولكن ذكرنا أنَّ الأمر بفعل عند الاتيان بالعبادة ظاهر في الارشاد الی الشرطية، والنهي عن فعل عند الاتيان بالعبادة ظاهر في الارشاد الی المانعية، والحمل على الاستحباب والكراهة ليس من الجمع العرفي في باب الحكم الوضعي، وبناء على ذلك تدل الموثقة على المانعية، وتدل الصحيحة على نفيها، ويقع التعارض بينهما لا محالة.
الطائفة الثالثة هي الدالة على عدم جواز الصلاة في فرض جفاف الأرض المتنجّسة و رطوبة البدن، وعدم البأس بالصلاة في فرض جفافها وعدم رطوبته كما ورد ذلك في ذيل موثقة عمار، وهو شاهد الجمع على أنَّ النهي عن الصلاة ولو مع جفاف الأرض محمول على فرض رطوبة البدن أو الثوب الموجبة لسراية النجاسة إلى البدن أو الثوب، كما أنَّ عدم البأس بالصلاة في صحيحة علي بن جعفر محمول على فرض جفاف مثل البارية وعدم رطوبة البدن أو الثوب وبذلك يرتفع التعارض.
وأما صحيحة الحسن بن محبوب التي استدل بها على طهارة مسجد الجبهة، فقد بيّنا الاشكال الوارد عليها، وأنه لا سبيل الى الجزم بأنَّ المرتكز في ذهن السائل هو اعتبار طهارة مسجد الجبهة وتقرير الامام (ع) السائل على مرتكزه.
ويقع الكلام في مقدار الطهارة المعتبرة بناء على الالتزام باعتبار طهارة مسجد الجبهة من باب الاحتياط اللزومي أو الفتوى.
وقد سبق القول بأنَّ مدلول الروايات اعتبار الطهارة في المقدار الذي يتحقق به المس المعتبر في السجود؛ لأنَّ الواجب من وضعه على المسجد من الجبهة مسمى الأرض ومسمى الجبهة، لا تمام الموضع الذي تقع عليه الجبهة من الأرض والأجزاء الأرضية أو ما ينبت منها، وبناء على ذلك إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس مع جفاف المحل والجبهة فلا بأس بالصلاة على تقدير كون الطاهر بمقدار الواجب، وقد أخرجنا – استناداً إلى التسالم – وضع الجبهة بتمامها على المحل النجس عن موثقة عمار الوارد فيها قوله (ع):«وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك. ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلِّ على ذلك الموضع القذر حتى ييبس» حيث إنَّ الضمير في «ييبس» راجع إلى ما يصيب ذلك الموضع من البدن.
ولا وجه لما قيل من احتمال رجوع الضمير إلى الموضع القذر وإرادة عدم البأس بالصلاة مع رطوبة في الجبهة أو الرجل أو الثوب في فرض جفاف الأرض بالشمس؛ لأن المفروض في الرواية بناء على هذا الاحتمال اصابة الشمس وعدم جفاف الأرض بها، وعندئذٍ لا يجوز الصلاة وان كان البدن أو الثوب جافاً فلا يبقى وجه للتقييد بقوله(ع):«وإن كانت رجلك رطبة….» وبتعبير آخر أنَّ ارجاع الضمير إلى الموضع القذر موجب لعدم الفرق بين جفاف البدن ورطوبته في عدم جواز الصلاة ما لم ييبس المكان، فيكون التقييد برطوبة الاعضاء لغواً؛ إذ لا يجوز الصلاة على الأرض القذرة الرطبة وان كان البدن جافاً.
والحاصل أنَّ الظاهر هو رجوع الضمير إلى العضو، وقد رفعنا اليد عن اطلاق الموثقة بالاضافة إلى وضع الجبهة بتمامها على المحل النجس بكامله، فلا يجوز الصلاة في هذا الفرض ولو مع جفاف المحل والجبهة، واعتبار الزائد على ذلك مدفوع بالاطلاق [ومعه لا تصل النوبة الى الأصل العملي ].