الكلام في التعارض بين موثقة اسحاق بن عمار وصحيحة ابن محبوب
وقد يقال إنَّ دلالة صحيحة ابن محبوب على طهارة مسجد الجبهة-على تقدير تسليمها-تعارض ما في موثقة عمار من قوله(ع):«وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس».
فإنَّ مفهوم الموثقة جواز الصلاة على ذلك الموضع القذر مع جفاف الاعضاء ومنها الجبهة والعطف بـ«أو» يدل على كفاية رطوبة شيء منها في بطلان الصلاة، ولو كانت الطهارة في مسجد الجبهة معتبرة لما صحت الصلاة في ذلك الموضع القذر و لو مع جفاف الجبهة.
وفيه أنَّ الروايتين لا تتعارضان حتى يتعيّن الرجوع إلى أصالة عدم الاشتراط بعد تساقطهما بدعوى أنَّ الأمر دائر بين الأقل والاكثر حيث لا يعلم اعتبار طهارة موضع الجبهة وعدم اعتبارها في الصلاة، والصحيح جريان البراءة عن الأكثر في دوران الأمر بين الأقل والاكثر، بل المتعين تقييد الاطلاق.
بيان ذلك:
لا شبهة في اعتبار وضع الجبهة في الصلاة على ما يصح السجود عليه من الأرض والأجزاء الأرضية وما ينبت منها شرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً، وتعتبر طهارة موضع الجبهة بالمقدار الذي يعتبر وقوع الجبهة عليه، ولا بأس بنجاسة الزائد عليه، والواجب وضعه على المسجد من الجبهة مسماها على التحديد الوارد في الروايات وهو مس الجبهة أي شيء منها الأرض أو غيرها مما يصح السجود علیه، وقد ذهب الفقهاء نوعاً إلی صحة صلاة من وضع جبهته علی ما لا یصح السجود علی بعضه ویصح السجود على بعضه الآخر وان كان بقدر الثمن، كما إذا كان مشتملاً على الحديد والأرض ومست الجبهة شيئاً من الأرض ولو بقدر الثمن.
والطهارة معتبرة في مسجد الجبهة ولو في المقدار الذي يتحقق به المسّ المعتبر في السجود لا في تمام الموضع الذي تقع عليه الجبهة، وتكون دلالة الموثقة على صحة الصلاة ولو مع نجاسة تمام مسجد الجبهة بالاطلاق فترفع اليد عنه بحمل الموثقة على صورة طهارة بعض مسجد الجبهة تقييداً لها بصحيحة ابن محبوب المفروض فيها نجاسة تمام موضع الجبهة وعدم جواز السجود عليه.
حكم السجدة على المحل المتبعض من حيث الطهارة والنجاسة
مسألة۱:إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الآخر نجساً، و إن كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه، و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهراً و إن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجساً، فلو وضع التربة على محل نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر صحت الصلاة.
وقد وقع الكلام في ان المعتبر هل هو طهارة مقدار يجب السجود عليه وعدم قدح كون غيره نجساً، أو أنَّ المعتبر طهارة مجموع موضع الجبهة و لو كان زائداً على الواجب؟
وذهب المصنف إلى القول الأول وهو كفاية السجدة على محل بعضه طاهر وبعضه نجس إذا كان الطاهر بمقدار الواجب، والسر في ذلك أنَّ شرط السجدة وهو الطهارة يتحقق بوضع الجبهة على المقدار الواجب في فرض طهارته ويصدق أنّه سجد على أرض طاهرة.
إنَّ موثقة عمار دلّت على عدم جواز الصلاة على الموضع القذر مع رطوبة مسرية في شيء من الجبهة؛ وذلك لسراية النجس، ودل مفهومها على جواز الصلاة مع الجفاف، سواء كان تمام مسجد الجبهة قذراً أم كان بعضه قذراً، فالمفهوم مطلق بالنسبة إلى تنجّس الجميع وتنجّس البعض، ويدل بإطلاقه على جواز الصلاة مع الجفاف وان كان تمام مسجد الجبهة متنجّساً.
وتقتضي العادة في الأرض تنجس بعضها بإصابة مثل الخمر والعذرة لا تنجّس جميعها بها.
وترفع اليد عن الاطلاق المزبور بما دلّ على أنَّ تحقق السجدة يتوقّف على طهارة مجرد المسمى كما في صحيحة الحسن بن محبوب، حيث إنَّ المتيقّن المفروض في السؤال تنجّس الجص بكامله وعدم جواز السجود عليه، وتقرير الامام(ع) ذلك ولا سبيل إلى العلم بأنَّ المرتكز في ذهن الحسن بن محبوب كان عدم جواز السجود على المحل المتبعض من حيث الطهارة والنجاسة.
وعندئذٍتقيّدُ بها موثقة عمار، وتحملُ على ما إذا لم يكن تمام موضع الجبهة نجساً، ويحكم بعدم جواز السجود على ما تنجّس جميعه كالجص الذي يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى.
والعمدة في المقام أنَّ صحيحة الحسن بن محبوب سليمة عن المعارض، ولا محيص من الالتزام بمضمونها على تقدير تسليم دلالتها.
نعم، قد احتملنا كون المرتكز في ذهن الحسن بن محبوب عدم جواز السجود على العذرة وعظام الموتى وان احالتهما النار رماداً، وانه سأل عن جواز السجود على الجص الذي يبقى فيه بعض الاثر منها بعد احتراقهما وأجاب الامام(ع) بأنَّه لا بأس بالسجود على الجص المزبور؛ وذلك لاستحالتهما رماداً بالنار واستهلاك ما بقي من الأثر في الماء.
ولا نجرؤ على مخالفة ما تسالم عليه الأصحاب من اعتبار طهارة مسجد الجبهة، ولكن نلتزم بأنَّ الأحوط وجوباً اعتبار عدم تنجّسه.
ونحتمل أن يكون التسالم مدركياً مستنداً إلى الروايات في المقام، والتعبير بالاحتياط من جهة عدم دلالتها.