والقول الآخر في المسألة اعتبار خلو مكان المصلي من النجاسة المسرية من دون فرق في ذلك بين موضع السجود وغيره، وانقسم القائل به بين الملتزم بأنَّ عدم النجاسة المسرية شرط للمكان بما هو، هو كما عليه فخر المحققين، والملتزم بان اعتبار عدم النجاسة المسرية من جهة اعتبار طهارة الثوب والبدن.
وتظهر الثمرة بين الالتزامين في ما إذا كانت النجاسة المسرية موضع عفو في الثوب والبدن كالدم الاقل من الدرهم، أو كانت السراية إلى مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه.
فعلى ما ذهب اليه فخر المحققين تبطل الصلاة في ذلك الموضع لتنجّس المكان بالنجاسة المسرية، وعلى الثاني تصح الصلاة فيه، إذ لا تؤثر النجاسة المسرية في الطهارة المعتبرة في الثوب والبدن، والمناط هو التحفظ على طهارة الثوب والبدن.
الروايات الدالة على وجوب طهارة موضع الجبهة
و وقع الكلام بعد تسالم المشهور على الحكم المزبور في أنَّ الحكم مستند إلى الشهرة وتسالم المشهور أو يستفاد ذلك من الروايات؟
صحيحة الحسن بن محبوب
والعمدة في المقام صحيحة الحسن بن محبوب، وهي الرواية الاُولى في الباب ۸۱من أبواب النجاسات.
«محمد بن الحسن باسناده، عن الحسن بن محبوب» واسناده عن كتابه صحيح، والحسن بن محبوب من الاجلاء في السند «قال سألت أباالحسن (ع) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى» من الحيوانات «ثمَّ يجصص به المسجد أيسجد عليه؟فكتب اليه بخطه: أنَّ الماء والنار قد طهراه »
وتدل الصحيحة على جواز السجدة على كل ما يصدق عليه عنوان الارض ولم يكن مخلوقاً في الأرض وان صدق عليه عنوان المعدن كالجص والنورة، ولعل المشهور خالف جواز السجدة على المعدن وان صدق عنوان الأرض عليه.
و وجه الاستدلال أنَّ الحسن بن محبوب سأل عن جواز السجود على الجص الذي يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى وكان المرتكز في ذهنه اعتبار طهارة موضع السجود والمتيقّن منه موضع الجبهة وان الجص يتنجّس بملاقاة العذرة وعظام الموتى وخاصة مع سراية دسومتها اليه بالاحتراق ولا يجوز السجود على المتنجّس.
والامام(ع) لم يردع عن المرتكز في ذهن السائل ولم يحكم بجواز السجود على المتنجّس الجاف وعدم اعتبار طهارة موضع الجبهة والا لقال(ع):«لا بأس بالسجود على الأرض المتنجّسة والجص المتنجّس على تقدير جفافهما» بل قرر الامام (ع) السائل على مرتكزه وانما أجاب (ع) في الفرض بالجواز وعلّله بان الماء والنار قد طهراه.
فالامام(ع) حكم بطهارة الجص اضافة الى تقريره السائل على مرتكزه.
ويقع الكلام في فقه الحديث وبيان ان الجص بعد تنجّسه بملاقاة العذرة وعظام الموتى كيف يطهره الماء والنار؟
وقال البعض ان الجهل بوجه الطهارة لا يضر بالاستدلال الذي هو عبارة عن تقرير الامام(ع) السائل على ما في ذهنه.
و قد قال بعض آخر ان الجص وان تنجّس بملاقاة العذرة والدسومة الخارجة من عظام الموتى إلّا أنَّ العذرة والعظام تطهران بالاحتراق وصيرورتهما رماداً وسيأتي ان الاستحالة من المطهرات فيرتفع موضوع النجاسة في الاعيان النجسة ومعروض النجاسة في الاعيان المتنجّسة بالاستحالة والمفروض ان الشيء المتبدل اليه لم يلاق نجساً.
ثم ان الجص یُطهر بعد التطحين بصب الماء عليه أو بالقائه في الماء لاستخدامه في التجصيص ويتحقق الغسل في كلا الفرضين، حيث ان الجص الملاقي للعذرة من المتنجّسات بغير البول، وکما تطهر الأرض المتنجسة بغیر البول بالغسل مرة واحدة بالماء القليل، كذلك يطهر الجص المتنجّس بغير البول بالغسل مرة واحدة بالماء القليل، ويكفي في تحقق الغسل وصول الماء الطاهر إلى جميع أجزاء الجص ونحوه من الارض الرخوة والصابون والحنطة والارز، ولا يعتبر في صدق الغسل خروج الغسالة من الباطن، وسيأتي ان المتنجّس باطنه في مثل الموارد المذكورة يطهر بمجرد وصول الماء الطاهر إلى الباطن، ويصدق الغسل بذلك وان لم تنفصل الغسالة عن المغسول.
والحاصل انه لا اشكال في فقه الحديث والاستدلال به على طهارة موضع الجبهة وان لم نفهم وجه طهارة الجص وأرجعنا علمه إلى الامام (ع) لأنَّ الدليل هو تقرير الامام(ع) السائل على معتقده ومرتكزه وهو تام لا خلل فيه.