وتقدّم في المكاسب المحرمة بشيء من التفصيل عندالتكلم عن جوائز السلطان الجائر ان المال المأخوذ منه حلال ما لم يعلم حرمته بعينه، ولا يقدح العلم الاجمالي باشتمال أموال السلطان على الحرام؛ وذلك للعلم التفصيلي بحرمة التصرف في الأموال الباقية تحت يد الجائر على كل من صورتي كونها مغصوبة وعدمه؛ لأن الشخص غير مأذون في التصرف فيها ولا مانع من جريان قاعدة اليد في المال المأخوذ من الجائر؛ وذلك للشك في حليته-على تقدير كونه من أمواله-وحرمته-على تقدير كونه مغصوباً ولا تتعارض قاعدة اليد فيه مع قاعدة اليد في سائر أمواله؛ وذلك للعلم بحرمة التصرف في تلك الاموال على كل من الصورتين.
والمقام من قبيل ذلك حيث يحرم أكل الأرغفة التي لم يؤذن في التصرف فيها وان كانت طاهرة؛ لانها ملك الغير ولم يبعها المالك من الشخص، ولكن تجري أصالة الطهارة بلا معارض في الرغيف المنتقل إلى ملكه عند الشك في طهارته.
والحاصل ان في الموارد المذكورة إمّا ينحل العلم الاجمالي أو تكون الشبهة غير محصورة إذ لا اعتبار للعلم الاجمالي الذي توجب سعة اطرافه عدم اعتناء العقلاء به فلا يعتنون بالعلم الاجمالي بوجود ميتة في اللحوم المستوردة إلى بلد ما، بل لا يلتفت إلى مثل هذا العلم الاجمالي إلّا ما ندر.
ومن تتبع بعض الأشیاء الداخلة في ملكه على مر تاريخه،علم اجمالاً-لو لم يعلم بالتفصيل-بتخلل يد غاصبة في الأيدي المتداولة له، إلّا ان هذا العلم غير منجز، ولا يمكن إفهامه للناس، والالتزام بالاجتناب عنه من الوسواس المماثل للوسواس في الطهارة والنجاسة، وبالنتيجة لانولي أهمية لما ذكره المحقق الهمداني ونُفتي بأنَّ المتنجّس بعين النجس بلا واسطة مما لا مناص من الالتزام بمنجسيته في الجوامد والمائعات، وأما المتنجّس الثاني فإن كان في المائعات فلا اشكال في تنجيسه لملاقيه أيضاً-سواء أكان الميعان في جانب الملاقي أم في جانب الملاقىٰ-وان كان في الجوامد فالأحوط وجوب الاجتناب.
والاحتياط الوجوبي يجعل سعة لرجوع الناس إلى المفتين بالطهارة.
وتنجيس المتنجّس مستفاد من ظهور الروايات فهو الأظهر ولم نعبّر بالاقوى.
التزم الماتن في مسألة ۱۱ بأنَّ المتنجّس بعين النجاسة لما يلاقيه على الأقوى فيجب غسل الاناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب ثمَّ بالماء على ما ورد في الرواية، ولكن إذا تنجّس إناء آخر بالاناء المتنجّس بولوغ الكلب فلا يجري عليه حكم التعفير، وكذا إذا صب ماء الولوغ في اناء آخر لم يجب فيه العفير، بل يكفي غسل الاناء ثلاث مرات، وان كان الأحوط التعفير خصوصاً في الفرض الثاني، والاحتياط استحبابي لذكره بعد الافتاء بعدم وجوب التعفير.
والدليل على ذلك أنَّ الحكم بالتعفير في الرواية لا يختص بالاناء الذي شرب الكلب فيه، بل يعم الاناء الذي شرب الكلب اللبن ونحوه فيه؛ وذلك لصدق المتنجّس بالولوغ عليه، وإذا تنجّس إناء بالاناء المتنجّس بالولوغ دخل في عموم أو إطلاق موثقه عمار الواردة في غسل الاناء المتنجّس ثلاثاً واختص المستثنى وهو المتنجّس بالولوغ بالإناء المتنجّس به مباشرة.
لا يقال:لا فرق بين الاناء الذي شرب فيه الكلب والاناء الذي صب فيه ماء الولوغ من حيث إنَّ الكلب لا يلعق أطراف الاناء؛ ولذا لا ينجس الاناء إلّا الماء المتنجّس بالولوغ فيجب التعفير فيهما.
فإنّه يقال:نحن نتّبع الدليل، ومن المحتمل أن يكون موضوع الحكم نفس الاناء الذي شرب فيه الكلب أي يحتمل أنَّ الشارع اعتبر خصوصية لمباشرة الكلب الاناء ولم يكن نفس ذلك الماء تمام الملاك في التعفير، بل يكون تمام الملاك تنجّس الاناء بالمائع المنفعل بالولوغ المباشر، وقد تقدّم ان المجتهد لا يدرك تمام الملاك، وإنما يدرك ملاكه في الجملة، وبناء عليه لا علم لنا بما قيل من «ان التراب قاتل للجراثيم وفي لعاب الكلب جراثيم لا يقتلها الا التراب، وهذا دليل على أحقية الدين المشرّع للتعفير في الاناءين».
ولعل الماتن توهم عدم الفرق بين الاناءين وعليه التزم بان الأحوط التعفير خصوصاً في الفرض الثاني.
وكذا إذا تنجّس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل، ولكن إذا تنجّس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب مع الرطوبة المسرية لم يجب فيه التعدد، والوجه في ذلك ثبوت الدليل على أنَّ كل متنجّس يطهر بطبيعي الغسل إلّا الثوب المتنجّس بالبول، وقد أوردنا الخدشة على الاطلاق سابقاً ثم فحصنا ثانياً وعثرنا على اطلاق القذر في روايةٍ سئل أبوعبدالله(ع) فيها عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه«فقال ليس عليها شيء الّا أن يصيب شيء من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي اصابه بعينه» والثوب المتنجّس بالثوب المتنجّس بالبول قد أصابه «غير ذلك من القذر»فيجب غسل ذلك الموضع الذي أصابه بعينه؛ إذ يشمل القذر الماء المتنجّس بالبول ونحوه، ويتمسّك باطلاقه في كل ما لم يقم دليل على تعدد غسله.