الدليل العقلائي على عدم تنجيس المتنجّس
استند بعض الفقهاء إلى وجه آخر لإثبات عدم تنجيس المتنجّس واعتبروه العمدة وهو أنَّ الالتزام بتنجيس المتنجّس والسراية بكلا قسميها موجب لعدم استقرار حجر على حجر؛ وذلك لسراية النجاسة تدريجاً إلى جميع البيوت والاثاث والاشخاص وأسواق المسلمين وكل ما في السوق من الحوانيت والبضائع وغير ذلك.
ويكفي في التصديق بهذا المعنى ملاحظة الآنية المستعملة في الأمكنة التي يتردد عليها الصغار والكبار والنساء والرجال من الّذين لا يبالون بالنجاسة ويلاقي ماء الحباب القليل الايدي القذرة في المقاهي والمطاعم وتتداول الأيدي الكؤوس في أيّام الزيارات والاطفال يشربون فيها وتسري النجاسة بمرور الزمان إلى جميع الاشياء والاشخاص.
وأيضاً يكفي في الجزم بالسراية ملاحظة الأدوات المستخدمة في البناء كالمجرفة والمحارة حيث لم تجر العادة علی تطهير ما تنجّس منها، بل جرت العادة على خلافه وتسري النجاسة من بيوت الذين لا يتحفظون على الأحكام الشرعية إلى سائر البيوت عبر تلك الأدوات بمرور الزمان.
وكذلك الشوارع المبلطة توجب بقاء الأعيان النجسة على الأرض بعد انقطاع المطر لتسري النجاسة إلى الأزقة والدور والمعامل.
والتأمل في ما ذكر يورث القطع بتفشي النجاسة على القول بالسراية.
وبما أنه لا يمكن امتثال وجوب الاجتناب عن كل ملاق للنجاسة فيكون جعل الشارع الحكم به من اللغو الظاهر، ولا يمكن الالتزام بأنَّ موثقة عمار الواردة في الأرض المتنجّسة تدل على حكم الشارع بالتنجّس على نحو السراية الشاملة، وإرغام البنّاء على تطهير الأدوات موجب للوقوع في موضع الاتهام بالوسواس.
اشكال المحقق الهمداني على الدليل العقلائي
وصرح المحقق الهمداني(ره) بأنَّ من أذعن بأنَّ إجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم (ع) لكونه سبباً عادياً لذلك، وزعم أنَّ الاسباب المذكورة لا تؤثر في حصول القطع لكل أحد (ولا الأطمئنان الذي هو حجة) بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجيس ما في بيته من الاثاث،فلا أراه إلّا مقلداً محضاً لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلاً عن أن يكون من أهل الاستدلال.
اذعان السيد الخوئي(ره) بصحة كلام المحقق الهمداني
وأجاب في التنقيح عن ذلك بأنَّ مناقشة المحقق الهمداني إنّما ترد فيما إذا قلنا بتنجيس المتنجّس على وجه الاطلاق ولا يلزم العلم بنجاسة جميع ما في العالم إذا اكتفينا بمنجسيّة المتنجّس بعين النجاسة بلا واسطة أو بواسطتين لا أكثر على ما ورد في صحيحة العيص من أنَّ الذَكَرَ المتنجّس بالبول ينجّس عرق الذكر، وهو ينجّس عرق الفخذ، وعرق الفخذ يوجب تنجّس الفخذ، فالفخذ متنجّس بواسطتين.
الكلام في الدليل والمناقشة
لا يمكن لنا الجزم بتنجّس جميع الأشياء ولو بمرور الزمان وان لم يرنا المحقق الهمداني الا مقلداً، والوجه في ذلك وقوع المطهر على المتنجّسات ولو لم يكن وقوعه من جهة الالتفات إلى النجاسة والطهارة، فالبنّاء يضع المحارة أو الفأس في ماء الكر أو الجاري ليتشرّب مقبضه الخشبي الماء وتمنعه الرطوبة من الفك والتحلحل، ويرش الماء على الاسمنت للحصول على الصلابة، المطلوبة ويتحقق الغسل بمرور الماء دفعة واحدة من الشيء، وبذلك يحمل عليه عنوان المطهر وان لم يحصل الالتفات اليه، ومن هذا القبيل غسل الاكواب والفناجين والأواني والأثاث في المقاهي والبيوت لغرض التنظيف وإزالة الاوساخ لا لجهة التنجّس والتطهير الشرعي.
ففي بعض الأحيان يحصل العلم بوقوع المطهر ويحتمل عدم التنجّس بعد وقوع المطهّر، والقطع بالتنجّس في زمان، والقطع بالطهارة في زمان آخر مع الاشتباه في التقدم والتأخر يوجب التعارض بين استصحاب بقاء النجاسة واستصحاب بقاء الطهارة والرجوع إلى أصالة الطهارة بعد تساقطهما.
وفي بعض الأحيان يحصل العلم الاجمالي بالتنجّس، ولكن لا يجب الاجتناب؛ لانحلاله كما إذا علمنا إجمالاً بتنجّس بعض الأرغفة في الفرن للملاقاة مع الحصی المفروش داخله على القول بالسراية؛ وذلك للعلم الاجمالي بتنجّس بعض الحصى بعين النجس.