ودليلنا الروايات الواردة في باب انفعال الماء القليل ومنها موثقة سماعة حيث سُئل الامام(ع) فيها عن رجل معه إناءان فيهما ماء،وقع في أحدهما قذر أي شيء غير طاهر (إذ يقابل القذر الطاهر) والامام(ع)أمرَبإهراقهما.
القذر يصدق على الثوب المتنجّس،ويتنجّس الاناء لسراية النجاسة إليه،ولا فرق بين المائعات،وحكم الامام (ع) بغسل كل ما أصابه ذلك الماء،وحكمه يشمل الجامد الطاهر الذي أصابه الشيء المتنجّس الحامل للرطوبة المسرية.
الكلام في مدلول صحيحة العيص بن القاسم وتعارضها مع رواية اُخرى.
تقدّم أنَّ الأحوط الاجتناب عن الشيء الطاهر الحامل للرطوبة المسرية إذا أصابه المتنجّس اليابس.
لا يقال إنَّ المتعيّن الافتاء بالاجتناب في الفرض المزبور لصحيحة العيص بن القاسم الدالة على تنجّس الطاهر الحامل للرطوبة المسرية بملاقاة المتنجّس اليابس وهي الرواية الاُولى في الباب ۲۶من أبواب النجاسات.
«محمّد بن الحسن باسناده،عن الحسين بن سعيد،عن صفوان،عن العيص بن القاسم؛قال:سألت أباعبدالله(ع) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر» فذكره متنجّس «وقد عرق ذكره وفخذاه قال:يغسل ذكره وفخذيه».
إنَّ الفخذ الطاهر حامل للرطوبة المسرية،وذكرنا أنَّ الرواية تشمل فرض ملاقاة عرق الفخذ مع عرق الذكر،كما تشمل ملاقاة الفخذ مع عرق الذكر،وقد جف الذكر بعد مسحه بالحجر،والذكر المتنجّس يوجب تنجّس عرقه،ويوجب عرقه تنجّس عرق الفخذ بالملاقاة،ويوجب عرق الفخذ تنجّس الفخذ،فيكون الفخذ متنجّساً بواسطتين،وكذلك يوجب إصابة الذكر المتعرق الفخذَ تنجّس الفخذ.
وهذا الدليل كافٍ في إثبات المدّعىٰ.
فإنّه يقال إنَّ للرواية ذيلاً يعارض صدرها:
«وبإسناده،عن الحسين بن سعيد،عن صفوان،عن العيص بن القاسم-في حديث-قال:سألت أباعبدالله(ع) عمّن مسح ذكره بيده ثمَّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟قال:لا»
إنَّ البول قد أصاب اليد يقيناً وجف البول وتنجّست اليد المتعرقة بعين النجاسة،وأصاب العرق الثوب،وحكم الامام(ع) بعدم غسل الثوب يدلّ على عدم تنجيس المتنجّس الحامل للرطوبة المسرية.
وقد استدل منكرو السراية بالذيل الوارد في الرواية.
ويمكن أنْ يقال:إنَّ المفروض عدم العلم بإصابة الموضع المتنجّس بالبول من اليد،الثوبَ؛إذ لا يصيب البول جميع أجزاء اليد،ولا يصيب جميع أجزاء اليد الثوب عادة،وبذلك يتمُّ الجمع بين الذيل و ما ورد في الصدر من قوله:«عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر،وقد عرق ذكره وفخذاه،قال:يغسل ذكره وفخذيه»
وأما القائل بالتعارض فلا يسلِّم ذلك بدعوىٰ أنَّ الذكر الحامل للعرق قد لا يتنجّس بتمامه،ولا يعلم إصابة الموضع المتنجّس الفخذ المتعرق؛ولكن إطلاق لزوم الغسل في الصدر يشمل الفرض المزبور،كما يشمله إطلاق عدم الغسل في الذيل.
ومع الاغماض عن الخدشة فلا تدل الرواية على أزيد من تنجيس المتنجّس مع واسطتين،فالذكر متنجس بلا واسطة بعين النجاسة،وعرقه متنجّس به ومنجّس لعرق الفخذ،وعرق الفخذ متنجّس بعرق الذكر ومنجس للفخذ،ولا كلام في ذلك،وإنما الكلام في تكرر الوسائط،كما إذا أصاب الفخذ الثوب الطاهر الحامل للرطوبة المسرية.وعمدة الدليل موثقة عمار الواردة في الأرض المتنجسة،سواء تنجّست بعين النجاسة أم بعرق الفخذ أو بالماء المتنجّس،وهي تنجّسُ الجسم الطاهر إذا أصابت رطوبته المسرية،وبما أنّه لا خصوصية للأرض فيستفاد من الموثقة أنَّ الثوب أو الفخذ المتنجّس اليابس يوجب تنجّس الطاهر الحامل للرطوبة المسرية بالملاقاة،ولا يبعد ظهور الموثقة في ذلك،وذكرنا أنَّ المانعية عن الصلاة حسب المتفاهم العرفي مسببة عن نجاسة الثوب والبدن،ولا يحتمل إلّا ضعيفاً أن يكون عدم جواز الصلاة على الأرض المتنجّسة مع رطوبة البدن أو الثوب حكماً تعبدياً مستقلاً ولو في فرض عدم السراية.
وتلخّص ما تقدّم أنَّ الكلام يقع في مقامين:
الأوّل:هل المائع الطاهر يتنجّس بملاقاة المتنجّس اليابس؟
الثاني:إذا أصاب المتنجّس الطاهر الجامد مع رطوبة مسرية في المتنجّس أو الطاهر فهل تكون الملاقاه موضوع تنجّس الطاهر الجامد؟
وعمدة الدليل في المقام الثاني هي موثقة عمار.