احتمل الماتن في ذيل كلامه أن تكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف،وعمد بذلك إلى نفي الاشكال عن الاستدراك المصرح به بقوله:«لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما».
ولابد من بيان الاشكال.
الاشكال على الاستدراك المذكور في المسألة
ان من الموضوعات ما لا يقبل التكرار،كقتل النبي أو المسلم الذي لا يقبل التكرار بحسب الوجود،وهو خارج عن محط الكلام.
ومن الموضوعات ما يقبل التكرار بحسب الوجود؛ولكن لا يقبل حكمه التكرار بحسب الوجود،فالحدث الصادر أولاً ناقض للوضوء،ولا تبقى طهارة حتى تنتقض بالحدث الصادر ثانياً،ومن أفطر متعمداً وجبت عليه الكفارة،وتكرر الافطار لا يوجب وجوب اُخرى عليه.
وكذا النجاسة بمعنى انتقاض الطهارة لا تقبل التكرار فإصابة الماء المتنجس للثوب توجب انتقاض طهارته،ولا أثر لاصابته ثانياً؛لعدم بقاء الطهارة،ولا فرق بين الاصابة بعد الاصابة،وبين الحدث الصادر بعد الحدث،والافطار بعد الافطار في قبول الموضوع للتكرار وعدم قبول الحكم للتكرار،وعليه فان المتنجس-وهو الجسم المنتقض طهارته-لا يتنجس ثانياً،سواء أكان ما أصابه ثانياً من نوع ما أصابه أوّلاً،كإصابة الماء المتنجس للثوب مرتين،أم كان ما أصابه ثانياً من نوع آخر،كإصابة الماء المتنجس له أولاً،وإصابة البول له ثانياً.
ولكن اذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما،فلو كان لملاقي البول حكم،ولملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معاً؛ولذا لو لاقى الثوب دم،ثمّ لاقاه البول يجب غسله مرتين،وإن لم يتنجّس بالبول بعد تنجسه بالدم وقلنا بكفاية المرة في الدم،وكذا إذا كان في إناء ماء نجس،ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره وان لم يتنجس بالولوغ،ويحتمل ان يكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف،وعليه فيكون كل منهما موثراً ولا اشكال.
أما الاشكال فهو عبارة عن أنَّ ظاهر ما ورد في الدليل من قوله؟ع؟:«إذا ولغ الكلب في إناء اِغسله بالتراب أول مرة،ثم بالماء» إرشاد الأمر بالغسل إلى مطهریته من النجاسة الحاصلة بالولوغ،كما أنَّ الأمر بغسل الثوب من البول مرتين إرشاد إلى مطهرية الغسل من النجاسة الحاصلة بالبول،وبما أنَّ الشيء الواحد لا يقبل النجاسة مرتين فلا يدخل الاناء المتنجس قبل الولوغ في مدلول الرواية؛إذ المفروض أنَّ النجاسة الثانية كأنها لم تطرأ حقيقة على الملاقي،وعندئذٍ لا يبقى موجب للحكم بترتيب آثارها،وظاهر العبارة أنَّ إصابة البول لا يوجب في الفرض نجاسة الثوب؛ولكن يجري عليه حكم التنجس بالبول فيجب غسله مرتين وعليه فيشكل الأمر بأن الغسل مرتين مطهر للنجاسة البولية،والمفروض عدم حصولها في الثوب.
وهذا الاشكال هو الذي نفاه الماتن على تقدير القول بأن للنجاسة مراتب في الشدة والضعف،وقد حدثت مرتبة ضعيفة من النجاسة بإصابة الماء المتنجس للاناء أولاً،وحدثت مرتبة شديدة منها بالولوغ الموجب للتعفير والغسل ثانياً،فيدخل التنجس بالولوغ في مدلول الرواية ويكون المطهر منه التعفير،ثم الغسل بالماء،ولا يبقى للمناقشة مجال.
مختار السيد الحكيم
وذهب السيد الحكيم في المستمسك إلى أن الحكم بعدم تنجس المتنجس ثانياً على خلاف أصالة عدم التداخل المعوّل عليها عند أكثر المحققين،ومقتضاها تكرر الحكم بتكرر الموضوع المستقل،فمثلاً تجب صلاة الآيات بالزلزلة،وبالخسوف،وإذا أعقب الزلزلة خسوف القمر وجبت صلاتان،ولم تكف صلاة واحدة؛لأن كلاً من الظاهرتين موضوع مستقل لوجوب صلاة الآيات،وظاهر القضية الدالة على انه «إذا خسف القمر أو زلزلت الأرض فصل صلاة الآيات»حدوث وجوبين لحدوث موضوعين،لا وجوب واحد،وتعدد الحكم يقتضي تعدد المتعلق.
فظاهر كل خطاب متضمن لحكم مستقل ثبوت الحكم عند ثبوت الموضوع وتعدد الموضوع يوجب تعدد الحكم المقتضي لتعدد المتعلق،وصرف وجود المتعلق لا يقبل تعدد الحكم،وحاصله أنَّ ظاهر الخطاب يقتضي عدم التداخل،وترفع اليد عن إصالة عدم التداخل إذا قامت قرينة،كالاجماع على التداخل وارادة خلاف الظاهر.