عدم كفاية مجرد الميعان في التنجس
مسألة ۸:«لا يكفي مجرد الميعان في التنجس،بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر،و بعبارة أُخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين،فالزئبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس و إن كان مائعاً،و كذا إذا أُذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا ينجس إلاّ مع رطوبة الظرف،أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج».
تقدّم أنَّ المائع المعبر عنه بالذائب في الروايات عبارة عما إذا اُخذ منه شيء لم يبقَ مكانه خالياً ويتنجس كله بملاقاة النجس أو المتنجس.
وذهب الماتن في المقام إلى تقييد المائع في المسألة المتقدمة للتذكير بأن مطلق المائع ليس بالمراد،بل المراد ما يقبل التأثر بمجرد الملاقاة لوجود الرطوبةالمسرية في أحد المتلاقيين،فمثلا الماء يتأثر بمجرد الملاقاة مع العذرة اليابسة،وتنتقل رطوبته المسرية اليها،كما تنتقل الرطوبة المسرية من النجس أو المتنجس إلى الطاهر اليابس،ولا يكفي مجرد الميعان في التنجس،فالزئبق مائع إذا اُخذ منه شيء لم يبقَ مكانه خالياً؛ولكن لا يتأثر بالنجاسة قليلاً كان أم كثيراً ما لم تكن فيما يلاقيه رطوبة مسرية،وكذا الفلز المذاب مائع إذا اُخذ منه شيء لم يبقَ مكانه خالياً؛ولكن لا يتأثر بالنجاسة إذا لم تكن في البوتقة النجسة رطوبة مسرية،ولم تصل رطوبة نجسة إليه من الخارج.
ويعبر عن هذا الصنف من المائع،بالمائع اليابس حيث لا يعدّ ميعانه رطوبة مسرية،وهو في حكم الجامد اليابس الذي تختصّ النجاسة بموضع الملاقاةمنه مع الرطوبة المسرية،ولا تسري النجاسة إلى غيره من سائر الأجزاء ولو مع الرطوبة المسرية.
والدليل على ذلك ما ورد من قوله؟ع؟:«كل يابس ذكي»ويصدق اليابس على المايع الذي لا يقبل التأثر كما يصدق علىٰ العذرة اليابسة،والمرتكز لدى أذهان المتشرعة عدم الفرق في عدم التنجس بين مجاورة مثل العذرة النجسة لمثل الماء القليل الطاهر،وبين ملاقاة مثل الثوب الطاهر اليابس مع مثل العذرة اليابسة؛وذلك لعدم صدق عنوان الاصابة والوقوع وان تأثر الطاهر برائحة النجس بالمجاورة أو الملاقاة،ويتم صدق عنوان الاصابة والوقوع فيما إذا تسببت الواقعة في الانفعال بانتقال الرطوبة المسرية من الطاهر إلى النجس أو بالعكس أو من الخارج،وملاقاة الزئبق أو الفلز المذاب للنجس أو المتنجس من دون الرطوبة المسرية في النجس أو المتنجس،ومن دون الرطوبة الخارجية لا توجب التنجس وهي عين المجاورة.
وإذا لاقى موضع من الفلز قبل الاذابة أو حال الذوبان النجس مع الرطوبة المسرية،واستمر الذوبان ولو في الجملة لم يقبل التطهير الى الابد،بمعنى أنَّ إحراز طهارته غير ممكن وإن أمكن طهارته في الواقع؛وذلك لاحتمال دخول الموضع الملاقي للنجس في الباطن حال الذوبان أو قبل التبريد؛وعندئذٍ لا يمكن غسله؛لعدم وصول الماء إلى الباطن بعد الانجماد وإن تكرر الاذابة والغسل،وبما أنَّ احتمال دخول الموضع في الباطن لا يرتفع بوجه،ويلازمه استصحاب بقاء الموضع على النجاسة لليقين السابق بنجاسته،فلا يمكن الحكم بطهارته إلى يوم القيامة،وعليه لا يصحّ البيع بناء على ما أفتى به القدماء من عدم جواز بيع ما لا يقبل التطهير من الشيء النجس أو المتنجس.
وورد في التنقيح أنَّ النجاسة قد تسري بالاذابة إلي جميع أجزاء الفلز.
وفيه ان وضع الفلز في «البودقة» النجسة مع الرطوبة المسرية يوجب تنجس ظاهر الفلز الملاقي للنجاسة،لا جميع أجزائه وان دخل الموضع الملاقي في الباطن فلا تسري النجاسة منه إلى سائر الأجزاء الباطنية بدخوله في الجوف؛لأنّ المفروض انتفاء الرطوبة المسرية الموجبة لتأثر الباطن بالظاهر؛ولذا يبقى الموضع النجس بحاله إلى الابد،ولا يمكن احراز طهارته بوجه.
تنجس المتنجس ثانياً
مسألة ۹:المتنجس لا يتنجس ثانياً،و لو بنجاسة أُخرى؛لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما فلو كان لملاقي البول حكم و لملاقي العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معا؛و لذا لو لاقى الثوب دم ثمَّ لاقاه البول يجب غسله مرتين،و إن لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم،و قلنا بكفاية المرة في الدم،و كذا إذا كان في إناء ماء نجس ثمَّ ولغ فيه الكلب يجب تعفيره و إن لم يتنجس بالولوغ،و يحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدة و الضعف،و عليه فيكون كل منهما مؤثراً و لا إشكال.
التزم السيد؟ره؟ بأن المتنجس بنجاسة أولاً لا يتنجس ثانياً،بلا فرق بين أن يكون المنجس الثاني من نوع المنجس الاول،كإصابة البول أولاً بموضع من الثوب،واصابته ثانياً بنفس الموضع،أو يكون من نوع آخر،كإصابة الغسالة النجسة أولاً بموضع من الثوب،ثم إصابة الماء المتنجس بها بنفس الموضع.
نعم،إذا كان لكل منهما حكم خاص،كلزوم غسل الثوب الملاقي للبول مرتين بالماء القليل وجب ترتيب الحكمين،فيجب الغسل مرتين إذا أصاب الثوب الماء المتنجس أولاً،ثم أصابه البول،وقلنا بكفاية المرة في الماء المتنجس،وعليه إذا تنجس الماء القليل في الاناء بالبول مثلاً،ثم ولغ فيه الكلب،وجب تعفيره،وان لم يتنجس ثانياً بالولوغ،فالحكم الخاص للولوغ-وهو التعفير-يترتب على الاناء مع ان الولوغ لا يوجب التنجس ثانياً.