تقدم ان المستصحب في موارد استصحاب الكلي هو الوجود الخارجي السابق بشخصه،الّا ان عنوان الجزئي الذي يضاف اليه الوجود الخارجي مجهول،فمثلاً إذا كنّا على يقين بوجود حيوان خلف الجدار،ولم نعلم أنه كان فيلاً أم بقاً،فان الوجود بالاضافة إلى عنوان الفيل أو إلى عنوان البق كان مشكوكاً من الابتداء،ولم يكن الوجود بالاضافة إلى عنوان الجامع وهو الحيوان كذلك؛ولذا يستصحب وجود الجامع.
واما إذا علمنا بوجود الكلي في ضمن فرد معين،وقطعنا بانعدامه،واحتملنا حدوث الوجود لفرد آخر مقارن مع الفرد الاول أو مقارن مع ارتفاعه فلا يمكن جريان الاستصحاب فيه؛لأنّه استصحاب القسم الثالث من الكلي،والمقام نظيره أو عينه،حيث إنَّ المقدار المتيقن الموجود من الأجزاء النجسة في الثوب قد زال يقيناً،و وقع الشك في وجود آخر لغيره من الابتداء وهذا شك في الحدوث لا شك في البقاء فيختلف متعلق اليقين والشك.
ولا مجال لتوهم أنَّ الوجود في المقام عبارة عن جسم زالت مرتبته الشديدة،وبقيت مرتبته الضعيفة؛إذ للأجزاء الترابية الاُخرى وجود مشكوك على حدة،وأصالة عدم الزيادة تنفي حدوثه.
الصورة الثانية:ان نعلم بوجود مقدار معين كأُوقية من الأجزاء النجسة على الثوب،ونشك بعد نفضه في بقاء ذلك المقدار وعدمه؛للشك في أنَّ الخارج بمقدار أُوقية أو أقل،ويستصحب بقاء ذلك المقدار فإنّه من قبيل استصحاب الشخص،ولا يختلف متعلق الشك عن متعلق اليقين،حيث ان الشك تعلق ببقاء نفس الوجود الذي علمنا حدوثه.
والأثرالمترتب على وجود تلك الأجزاء في الثوب أمران:
أحدهما:الحكم بنجاسة ملاقي الثوب مع الرطوبة المسرية.
ثانيهما:بطلان الصلاة فيه.
أما بالنسبة إلى الأمر الاول،و وقوع الثوب في الماء القليل،فاستصحاب بقاء أجزاء المتجس أو النجس لا يوجب الحكم بنجاسة الماء القليل،ولا نجاسة الثوب؛لأنَّ استصحاب بقائها لا يثبت ملاقاه الماء القليل لتلك الأجزاء إلّا على القول بالأصل المثبت؛ولذا يحكم بطهارة الثوب والماء،وقد تقدم أنَّ استصحاب بقاء الأجزاء النجسة على عضو الحيوان لا يثبت ملاقاة الماء القليل لتلك الاجزاء بناء على عدم تنجس الحيوان.
نعم،إنَّ وجود عين النجس في الواقع مستلزم لملاقاة الماء لها ونجاسته؛ولكن الاستصحاب لا يفيد الوجود الواقعي لعين النجس،وانما يفيد وجودها التعبدي لأجل ترتب أثرها الشرعي،ولا يقتضي الاستصحاب ترتب الأثر الشرعي لملاقاة الماء لها؛لأنّ ملاقاته لعين النجس أثر عقلي لوجودها الواقعي،وكذا لا يفيد الاستصحاب في المقام الوجود الواقعي للأجزاء الترابية النجسة أو المتنجسة،ولا يقتضي ترتب الأثر الشرعي لملاقاة الماء لها؛لأنّ ملاقاة الماء لها أثر عقلي لوجود الأجزاء التكويني والاستصحاب لا يفيده.
والحاصل أنَّ المتحقق بالوجدان ملاقاة الماء للثوب،لا ملاقاته للأجزاء النجسة في الثوب وإثبات الوجود التعبدي للأجزاء النجسة لا يستلزم إثبات ملاقاة الماء لتلك الأجزاء.
نعم،يجري استصحاب نجاسة الثوب عند الشك فيها،ويتم موضوع التنجس به؛ولكن المفروض العلم بطهارة نفس الثوب،ولابد من إثبات ملاقاة الماء للأجزاء النجسة في الثوب،والملاقاة لها أثر تكويني،وقد ثبت وجود الأجزاء النجسة تعبداً لا تكويناً،والاستصحاب لا يثبت الأثر التكويني الّا على القول بالأصل المثبت.
وأما بالنسبة الى الامر الثاني وهو بطلان الصلاة في الثوب المزبور فإنَّ استصحاب بقاء تلك الأجزاء النجسة يقتضي بطلان الصلاة في الثوب وان حكم بطهارة الثوب والماء الملاقي له،ونظيره استصحاب الحدث،واستصحاب طهارة الاعضاء إذا شك بعد التوضؤ بمايع أنّه كان ماءً أو بولاً فيحكم بطهارة الأعضاء،وبكون المكلف محدثاً مع أنَّ التفكيك غير ممكن بحسب الواقع إذ لو كان البدن طاهراً لكان الوضوء صحيحاً،ولو كان الوضوء باطلاً لكان البدن نجساً إلّا أنَّ الاُصول لا تفيد الوجود الواقعي للشيء،بل تفيد الوجود الظاهري التعبدي له ولا ملازمة بين الوجود الظاهري لطهارة الأعضاء وبین بقاء الحدث،فالتفكیك ممكن بحسب الحكم الظاهري،وكذا نقول في المقام ان استصحاب بقاء الاجزاء الترابية النجسة أو المتنجسة في الثوب يقتضي بطلان الصلاة فيه لوجوب نفضه أو غسله حتى يعلم زوالها وبطلان الصلاة أثر شرعي ولا يثبت الاستصحاب ملاقاة الماء لتلك الأجزاء حتى يحكم بنجاسته ونجاسة الثوب فيحكم بطهارتهما.