بسم الله الرحمن الرحیم
موضوع: تکملة بحث حکم من شهد بالإجمال والآخر بالتعيين
ولا يخفى ما في القول بوجوب الاجتناب عن كلا الاناءين في فرض شهادة أحد الشاهدين بالاجمال والآخر بالتعيين؛فان المخبر بنجاسة المعين أخبر بنجاسة أحد الاناءين بشرط خصوصية التعيين ولا شهادة له بنجاسة أحدهما على نحو اللابشرط بل یشهد بطهارة الإناء الآخر والمخبر بنجاسة احدهما لا بعینه یخبر بها على نحو اللابشرط فأحد الشاهدين يحكي عن وقوع معين،والآخر يحكي عن نجس يحتمل وقوعه في هذا الاناء المعين،كما يحتمل وقوعه في ذاك الاناء المعين و وقوع النجس في الاناء الآخر-على تقديره-موضوع لحكم آخر ويثبت الحكم الآخر بالثبوت الواقعي لا الثبوت الاحرازي المتوقف على قيام البينة.
وظهر من ذلك أنَّ القول بوجوب الاجتناب عن كليهما،قول عليل يبتني على إنحلال الاخبار بنجاسة المعين إلى شهادتين:احدهما الشهادة بنجاسة أحد الاناءين والاُخرى الشهادة بأنّ ذلك الواحد هو المعين وقد ذكرنا انه لا ينحل إلى شهادتين بالتقريب المتقدم فلا تتحد الواقعة حتى تتعدد الحكاية عنها.
الوجه الثاني:لزوم الاجتناب عن المعين فيما إذا قال أحدهما:أحد هذين نجس وقال الآخر:هذا المعين نجس؛لأنَّ كلا الشاهدين أخبرا بوجوب الاجتناب عن المعين حيث شهد به أحدهما تفصيلاً وشهد به الآخر على وجه الاجمال فتتعدد الحكاية عن وجوب الاجتناب عن المعين وهو من اطراف العلم،وهذا بخلاف الطرف الآخر،فإن وجوب الاجتناب عنه مشهود به لأحدهما وليس بمشهود به لمن أخبر عن وقوع النجاسة في المعين منهما؛ولذا يجب الاجتناب عن المعين دون الآخر،نعم لا يثبت بذلك نجاسته ولا فرق في اعتبار البينة بين كون الواقعة المحكي عنها حكماً جزئياً أو موضوعاً للحكم.
وفيه ان وجوب الاجتناب عن طرفي العلم الاجمالي حكم عقلي ولا تعتبر البينة في وجوب الاجتناب وان تعددت الحكاية عن وجوب الاجتناب عن المعين.
هذا أوّلاً.
وثانياً ان المحكي عنه في أحدهما حكم واقعي وفي الآخر حكم ظاهري فلا تتحد الحكايتان.
الوجه الثالث:عدم وجوب الاجتناب عن شيء من الطرفين وهو الوجه التام؛لأنّ المعتبر في البينة الإخبار عن الموضوع ولا تتعدد الحكاية عن موضوع واحد،كما لا تتعدد الحكاية عن حكم واحد على تقدير اعتبار البينة في الحكم؛ولذا يرجع في كل من الإناءین إلى أصالة الطهارة.
ويبتني ذلك على اعتبار البيّنة بخصوصها وعدم اعتبار خبر الثقة وخبر العدل وقد يقال بان خبر الثقة معتبر لدى العقلاء ولم يردع الشارع عنه ومقتضى الارتكاز عدم الفرق بين إخبار الثقة عن الحكم الشرعي في كلام الامام؟ع؟ أو عن الموضوع الخارجي،وعندئذٍ إذا أخبر العدل بنجاسة المعين كإخباره بوقوع دم رعافه في الاناء ثبتت النجاسة من دون حاجة الى البينة وذلك لحجية خبر العدل وإذا أخبر عدل آخر بان دم الشاة وقع في أحد الاناءين لا بعينه من دون علمه بانه وقع في ذلك المعين أو في الاناء الاخر،تعددت الواقعة و وجب الاجتناب عن كلا الاناءين؛لأنّ كلا منهما يخبر عن موضوع النجاسة ويحتمل حدوث الوقوعين في آن واحد.
واما إذا اتحدت الواقعة وجب الاجتناب عن المعين فقط؛لأنَّ شهادة الآخر بنجاسة الواحد لا بعينه كالعلم الاجمالي في انحلاله بقيام الطريق على التكليف في بعض اطرافه فيرجع في بعضهاالآخر إلى الأصل.
والحاصل أنَّ الواقعة المخبر بها قد تتحد-كما إذا أخبرا عن وقوع قطرة دم وقال أحدهما:وقعت في أحد هذين وقال الآخر:وقعت في هذا المعيّن-وبما أنَّ خبر العدل حجة يكون الأول علماً إجمالياً ويكون الثاني علماً تفصيلياً،وينحلّ العلم الاجمالي بانحصار الطريق القائم على التكليف في بعض الأطراف فيرجع في بعضها الآخرإلى الأصل السليم من التعارض مع الأصل في المعين للعلم التفصيلي بنجاسته بالتعبد وهو يقتضي الانحلال.
وقد تتعدد الواقعة-كما إذا أخبر أحدهما بوقوع دم الشاة في أحد الاناءين ثم قال الآخر:وقع دم رعافي في هذا المعين-ولا يوجب ذلك انحلال العلم الاجمالي،وهذا نظير عدم انحلاله عند العلم التفصيلي بالوقوع في المعين بعد العلم الاجمالي بالوقوع في أحدهما.والوجه فيه تنجز العلم الاجمالي السابق والتيقن من حدوث الموضوع لتكليف آخر،وهذا الفرض يشابه فرض تلف بعض الاطراف.
فلا ينحل العلم الاجمالي إذا أخبرا عن حدوث التكليف في آن واحد كالاخبار عن وقوع الدم في أحد الاناءين وعن وقوع دم آخر في المعين في زمان واحد والحاصل انه لابد من التفصيل بين انحلال العلم الاجمالي وعدمه.