بسم الله الرحمن الرحيم
البحث (۱۰۱)
القاعدة التي تمسك بها النائيني(ره) في المقام
قال النائيني(ره)[۱]: إن السرّ في الحكم بنجاسة الماء في المقام هو قاعدةٌ اخرىٰ؛ بيان ذلك: إذا كان هناك عامٌ متضمنٌ لحكمٍ ترخيصيٍ واستثني من ذلك العام أمرٌ وجودي، سواءٌ كان المستثنى أمراً وجودياً متصلاً أو منفصلاً بدليل، وتعلق بالعنوان الوجودي حكمٌ إلزامي ـ وهو الوجوب أو الحرمة ـ أو حكمٌ ملزومٌ لحكم الزامي كالنجاسة (إذ ليست النجاسة هي نفس الوجوب أو الحرمة، بل النجاسة تستلزم حرمة الشرب وعدم جواز التوضؤ ونحوهما) فالحكم الترخيصي ثابتٌ ما لم يحرز الحكم الالزامي.
التمسك بعموم أدلة الانفعال في الماء المشكوك بكونه ذا مادة
كان الكلام في الماء القليل الذي شكّ في اتصاله بالمادة وعدم اتصاله. «أله مادةٌ أم لا؟» حكم السيد(ره) في العروة بنجاسته بالملاقاة، وجرى البحث في الوجوه والادلة التي أقيمت على ذلك. كان الوجه الاول هو قاعدة المقتضي والمانع، وقلنا لا تتمّ تلك القاعدة، ولا دليل على الالتزام بأنّ الملاقاة تقتضي النجاسة، ووجود المادة يمنع عنها، وعند الشك في حصول المانع عن الانفعال يرجع إلى تلك القاعدة في نفي المانع.
الوجه الثاني في المقام هو التمسك بعموم أدلة الانفعال حيث قال النائيني(ره)[۲]: لو فرضنا أنّ هناك عاماً متضمناً لحكمٍ الزامي لأفراده أو لحكمٍ الزامي (كالنجاسة التي ليست نفسها حكماً الزامياً وهو الوجوب أو الحرمة ولكن تستلزم الوجوب والحرمة كعدم جواز الشرب والتوضؤ من الماء النجس وبقاء نجاسة المتنجس المغسول به) وخرج منه عنوانٌ وجوديٌ واجدٌ لحكم ترخيصي، فالمرجع هو الأخذ بالعام عند الشك في دخول فردٍ ضمن العنوان الوجودي؛ إذ في هذه الموارد يثبت الحكم الترخيصي لفردٍ احرز انطباق العنوان الوجودي عليه، فلو قال المولى لعبده: «لا تدخل عليّ هذا اليوم أحداً» ثمّ قال: «إلّا العالم الهاشمي» وشك العبد في أنّ فلاناً أهو هاشميٌ أم لا، لم يجز للعبد أن يأذن له بالدخول؛ إذ لابد من إحراز هذا العنوان المستثنى في قوله: «لا تدخل عليّ أحداً هذا اليوم إلّا العالم الهاشمي».
وكأنّ المقام من هذا القبيل حيث حكم الشارع بتنجس كلّ ما لاقى نجساً، والنجاسة حكمٌ ملزومٌ لحكمٍ الزامي، وخرج منه «الكر من الماء وما له مادة» فيتمسك بالعموم عند الشك في انطباق هذا العنوان الوجودي على ماءٍ قليل.
الحكم الالزامي أو الترخيصي والرجوع إلى العام في الشبهات المصداقية
هناك يوجد فرقان بين كلامه(ره) وكلام القائلين بالرجوع إلى العام عند الشك في دخول فردٍ تحت عنوان المخصص في الشبهات المصداقية؛ فرقٌ قطعيٌ وفرقٌ يدل عليه ظاهر الكلام. أما الفرق القطعي فإنّ القائلين بالتمسك بالعام في الشبهات المصداقية لم يفرقوا بين ما إذا ترتب على العام حكمٌ الزاميٌ أو حكمٌ ترخيصي، فلو جعل الشارع أو المولى للعبد حكماً ترخيصياً بنحو العموم، وخصص عنواناً وجودياً ذا حكمٍ الزامي، وشكّ في مصداقٍ أهو مندرجٌ تحت العام أم تحت عنوان المخصص؟ فإنّ المرجع هو التمسك بالعام وإن لم يتعلق به حكمٌ إلزامي.
لكنّ كلام النائيني(ره) مختصٌ بما إذا تعلق بالعام حكمٌ إلزامي ولا يشمل غيره. وهذا الفرق بين الكلامين قطعي.
والفرق الآخر هو أنّ ظاهر كلام النائيني(ره) ـ والله العالم ـ يدلّ على أنّ العام يبيّن حكماً واقعياً الزامياً لجميع الافراد، والخارج من هذا الحكم الالزامي هو الفرد الذي علم حاله وعنوانه فقوله: «لا تدخل عليّ أحداً هذا اليوم إلّا العالم الهاشمي» يدلّ على خروج من احرز أنّه عالمٌ هاشميٌ من تحت العام، فأصل عنوان المخصص هو المصداق الذي احرز أنّه عالمٌ هاشمي، وكأنّ المصداق المشكوك مندرجٌ تحت العام حقيقةً وحكمه حكمٌ واقعي. هذا هو ظاهر كلام النائيني(ره) خلافاً لمن التزم بالتمسك بالعام في الشبهات المصداقية، فإنّه يقول: إذا قال المولى: «أكرم كلّ عالم» ثمّ قال: «إلّا الفاسق منه» أو ذكر في دليلٍ منفصل: «لا تكرم العالم الفاسق» لم يتعلق طلب الاكرام بالفاسق الواقعي، سواءٌ أحرز فسقه أو لم يحرز، إلّا أنّ ظهور العام في الفرد المشكوك حجة، فكأنّ عموم العام يصبح حكماً ظاهرياً وحجةً في حق الفرد المشكوك كما مرّ بيانه في علم الأصول.
ولا يصح التمسك بالعام في الشبهات المصداقية فيما إذا كان العام متضمناً للحكم الواقعي فقط، لا فيما إذا كان العام متضمناً للحكم الواقعي والظاهري، والخارج عن الحكم الواقعي الذي تضمنه العام هو المنطبق عليه عنوان المخصص، سواءٌ علمنا به أو لم نعلم به، وسواءٌ أحرزناه أو لم نحرزه، ومن هنا ظهر ضعف الالتزام بعدم التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. والحمد لله ربّ العالمين.
[۱]– تقرير السيد الخوئي(ره) لكلام النائيني(ره):…
[۲]– كلام النائيني كما قرره السيد الخوئي(ره):…